على غرار الفيلم المصري الشهير »لا تسألني من أنا« الذي باعت خلاله الفنانة شادية ابنتها يسرا لأسرة ثرية مقابل مبلغ مالي كبير تنفق منه على باقي أشقائها، عادت الظاهرة بشكل لافت في الآونة الأخيرة - ليس على مستوى مصر فقط بل على مستوى العديد من الدول -، وذلك بعد ظهور نوازع غريبة لم تكن واردة في الحسبان.
وهي أن تعرض بعض الأسر أبناءها للبيع تحت مبررات وحجج مختلفة وأعذار أقبح من الذنب، وآخرها القضية التي لا تزال تثير الرأي العام المصري بقيام بعض أهالي إحدى القرى التابعة لمركز القناطر الخيرية - تبعد 20 كيلومترا عن القاهرة - بالتنازل عن 543 طفلاً من أبنائهم لمهاجرين أميركيين من أصول مصرية؛ أملا في مستوى معيشة أفضل لهم ولأبنائهم- على حد اعتقادهم®. تفاصيل أكثر يعرضها »الحواس الخمس« عبر السطور التالية . (فاطمة. أ) واحدة من السيدات اللاتي عرضن أحد أبنائهن للبيع، وبسؤالها عن أسباب ذلك فاجأتنا بقولها: نعم عرضت ابني للبيع وعمره ثلاثة أشهر ®.لكن ماذا أفعل ولديّ 5 غيره، وتساءلت: نحن لا نجد ما نسد به جوع واحد من 5 أبناء ، فكيف سنعلّمهم مثل بقية أقرانهم وكيف نكسوهم وندفع مصروفات تعليمهم وعلاجهم؟®.
واستطردت: لم نجد أمامنا إلا أن نلقى بأحدهم وهو في التاسعة من عمره في ورشة لتعلم صنعة لعله يساعد في زيادة دخل الأسرة، ولكننا ضبطناه يتعاطى المخدرات؟ وكان الحل هو التضحية بأحدهم ليعيش الآخرون، وحتى هذه الفكرة لم تكتمل لكني سأعاود عرضه للبيع وربما آخر معه في أول فرصة.
أما ماهر فهو شاب في السادسة والثلاثين من العمر تبدو ملامح الفقر واضحة في جسده، لديه من الأبناء بنتان وولد، أشار إلى أن زوجته اقترحت عليه أن يتنازل عن ابنته التي لم تكمل الشهر الرابع من عمرها لكنه رفض وأصر على رفضه وتم إغلاق الموضوع نهائيا.
ولكن بعد شهور مرض ابنه مرضاً شديداً عانى كثيراً من أجل علاجه إلا أن أحد الأطباء الذي يسكن في الحي نفسه عرف بظروفه وعالجه مجاناً، لكن بعد فترة قصيرة عاود المرض ابنه بشكل أشد فأعادت زوجته فكرة بيع ابنته فوافق وبرر بقوله: ماذا أفعل؟!
أطفال السفاح
هذه بعض الحالات لأمهات وآباء عرضوا أبناءهم للبيع عن طريق التنازل لآخرين وقد طرحت هذه الحالات مبرراتها غير المنطقية، وربما تجد من يوجد لها العذر.
لكن القضية الأخطر حالياً هي بيع أطفال السفاح حديثي الولادة لعصابات من مهاجرين في الولايات المتحدة الأميركية، فهؤلاء لديهم معاونون يرصدون النساء اللاتي يلدن سفاحاً في مستشفيات أو عيادات خاصة أو من خلال قابلات يتعاونون معهن وكذلك يرصدون أولاد وبنات الشوارع باتفاق مع بعضهم وبمجرد أن يعلموا بأن إحداهن وضعت جنينا يكون بين أيديهم في دقائق مع دفع المعلوم.
وقضية السيدة الأميركية التي تدعى سوزان هاجولك المتزوجة من مصري مهاجر خير شاهد على ما يحدث من اختراق كبير في هذا المجال، وذلك عندما تم ضبطها وهي تحاول إضافة أحد الأطفال إلى جواز سفرها، واعترفت بأنها تتزعم عصابة لتهريب أطفال السفاح للخارج وأدلت بمعلومات مهمة عن نجاحها في تهريب طفلين من قبل، وأشارت إلى أن هذا العمل تم بمساعدة من بعض الأطباء والممرضات في مستشفيات خاصة لبيعهم لأمهات محرومات في الخارج مقابل مبالغ كبيرة.
يشار هنا إلى أن النائب العام المصري قد أحال 11 متهماً في يناير الماضي للمحاكمة لارتكابهم جريمة الاتجار في البشر منهم 4 أطباء وممرضتان، وما زالت القضية منظورة في المحاكم.
الغريب أن هناك من يحتج على مناهضة هذه الظاهرة معرباً عن تأييده بيع الأطفال إلى أميركان أو أوروبيين حتى لا يصبحوا أطفال شوارع ويتعرضوا إلى أقسى أنواع الحياة، وبرر هؤلاء موافقتهم على هذا السلوك بأن هؤلاء الأطفال سيجدون رعاية جيدة وأفضل بعيداً عن البنايات الحقيرة التي يعيشونها ومضوا إلى أكثر من ذلك متوقعين لهؤلاء أن يصيروا سفراء أو وزراء يوما ما وهم في الولايات المتحدة الأمريكية أو أي دولة أوروبية.
وركزوا على أن طفل السفاح ليس مقبولا في مصر أو في أي دولة عربية مطلقا ويعامل باحتقار شديد من المجتمع هنا ويعيش طوال حياته مشرداً موصوما بالعار.
خطى سريعة
ورغم الجهود المبذولة من الدولة والعديد من المنظمات المعنية فالقضية ما زالت تسير بخطى أكثر إسراعا، فها هي صباح حامد تقول: عرضت ابني للبيع وأكملت عملية البيع لكن الشرطة أعادته لي بعد اكتشاف الأمر، وبصراحة كنت سأندم جداً إذا اكتمل بيعه، مفسرة ذلك بقولها:
خدعوني وقالوا لي بأنه سيعود لي يوماً وهو متعلم وفي وظيفة مرموقة وسنجعل التواصل بينكما مستمرا، ولكن علمت بعدها أن هؤلاء الأطفال سيكونون ذنبا في رقابنا وقد يستغلونهم جنسيا أو يبيعون أعضاءهم، والآن أنا تعلمت الدرس جيداً، ولن أفرط في أبنائي وأنصح كل الأمهات مهما كانت ظروفهن بألا يفرطن في فلذات أكبادهن.
نشر الوعي بين الفقراء
إلى هنا تحذر الخبيرة الاجتماعية عزة كريم من بيع الأبناء خاصة للأغراب، مشيرة إلى أن من بين المصائب أن يتم استغلالهم جنسياً، كما كان يحدث في عهد العبودية أو بيع أعضائهم فهي تجارة رابحة بالنسبة لهذه العصابات. وأكدت الخبيرة الاجتماعية ضرورة نشر الوعي في أوساط الفقراء والمحتاجين وتبصيرهم بدورهم تجاه أبنائهم.
مطالبة الحكومة المصرية بتقديم كل من يثبت تورطه في مثل هذا العمل للمحاكمة، كما أكدت ضرورة دعم كل الجهات والمنظمات التي يمكن أن تساهم في مجالات التوعية أو أي جهد يحد من الظاهرة.
يشار إلى أن المجلس القومي للطفولة والأمومة في مصر يقوم بعمل كبير أيضا في محاولة للتصدي للظاهرة من خلال مشروع حماية ورعاية الأطفال حديثي الولادة وعقد عدد من ورش العمل التي يشارك فيها إخصائيون اجتماعيون وعلماء نفس، كما بدأ الإعداد لقاعدة بيانات خاصة بأطفال الشوارع، وبرنامج لتنمية الطفولة المبكرة، وكذلك توفير فرص عمل للفتيات حديثات التخرج، وعمل آليات لتلقي شكاوى الأطفال وكيفية عرض مشاكلهم.
القاهرة - دار الإعلام العربية

