ازدهرت ثقافة محلية غامضة منذ ألف عام وسط المساحات الخلابة في جبال الإنديز، وهي منطقة تلتقي فيها سلسلة جبال كولومبيا وتولد فيها الأنهار.
ولا يعرف الكثير عن القوم الذين نحتوا التماثيل العملاقة، والتي تجمع بين أشكال البشر والحيوان في قرية سان أوجستين الواقعة جنوبي كولومبيا التي تنتمي إلى أمريكا اللاتينية.ومع ذلك فإن مدى الإبداع في هذه التماثيل يسحر كلا من علماء الآثار والسياح الذين يتطلعون إلى الحصول على مفاتيح تقودهم إلى هذه الحضارة القديمة التي يبدو أنها تعتبر الحياة أساسا مرحلة تمهد للموت.وتقع قرية سان أوجستين الرائعة التي يبلغ عدد سكانها 31 ألف نسمة في حضن الجبال الخضراء في منطقة تنقسم فيها جبال الإنديز إلى ثلاث سلاسل جبلية، وحيث تنبع بعض الأنهار الرئيسية في كولومبيا مثل ماجدلينا وكاوكا.
وتوجد بالمواقع الأثرية القريبة أكثر من 300 تمثال منحوتة من كتل الصخور البركانية الواحدة بالإضافة إلى أكثر من ستين مقبرة لأشخاص ذوي مقام رفيع كما هو واضح من أشكالها، ويقع نحو 130 من التماثيل داخل الحديقة الأثرية الرئيسية.
وتم نحت هذه التماثيل خلال الفترة بين ألف عام قبل الميلاد و008 ميلادية تقريبا، ويعتقد أن القوم الذين نحتوها قد اختفوا من على ظهر البسيطة، ومن المحتمل أن يكون ذلك قبل وقت طويل من وصول الغزاة الأسبان إلى المنطقة في القرن السادس عشر.
وتقع التماثيل والمقابر على تلال تكسوها الحشائش وهي ارتفاعات عالية من المعتقد بشكل مرجح أنها اختيرت لتسمح للموتى بأن يرتاحوا بالقرب من آلهة الشمس، ويبلغ ارتفاع أعلى التماثيل أكثر من خمسة أمتار وتحتفظ بعضها بآثار الألوان التي طليت بها.
وتمثل الكثير من التماثيل أشكالا بشرية من المرجح أن تكون طبقة الكهنة وهم في حالة تجلي دينية ويرتدون أقنعة الحيوانات مثل الفهود والقرود والنسور والضفادع التي يعتبرها الفنانون الذين نحتوها تمتلك قوى مقدسة مؤكدة.
وتم وضع العديد من الأشكال البشرية المقنعة داخل مقابر يحيط بكل منها محاربان يبدو أنهما يساعدانها على حراسة الموتى، وتقف بعض التماثيل بمفردها أو تشرف على أضرحة المعابد التي ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ.
وتذكر هذه التماثيل الباحثين بالرقصات المقنعة أو بعبادة الفهود التي لا تزال تمارس في منطقة الأمازون من كولومبيا، غير أنه لا توجد أدلة واضحة تربط بين حضارة سان أوجستين بأية مجموعة عرقية عصرية. ويقول المرشد السياحي روسيبيرو لوبيز إبارا، 97 عاما، والذي عمل مع عدد من البعثات الأثرية الرئيسية التي أجرت أبحاثا حول حضارة سان أوجستين إن أحدا لا يعلم من هم أبناء هذه الحضارة ومن أين جاؤوا ولماذا اختفوا.
وتبدو قسمات أوجه التماثيل في الغالب أفريقية أو آسيوية مما يدفع إلى التكهن بأن الذين أبدعوها قد يكونون قد عبروا إلى قارات أخرى عبر البحر أو حتى البر في قديم الزمان عندما كانت الأرض تشكل قارة واحدة.
وتوجد أغطية على رؤوس بعض هذه التماثيل تشبه تلك الموجودة بتماثيل الفراعنة المصريين أو العمم ذات الطراز الهندي، ويشير لوبيز إيبارا إلى أن بعض الفنانين بالمنطقة صوروا حيوانات أفريقية لا تعيش فيها مثل الفيلة والغوريلا.
ومن ناحية أخرى تشير تماثيل الثعابين ذات الريش إلى روابط بحضارات الأزتك والمايا التي كانت موجودة بأمريكا اللاتينية.
واعتاد القوم الذين كانوا يعيشون في سان أوجستين بناء منازلهم الدائرية الشكل من مواد لا تعيش طويلا، ولكنهم حاولوا إقامة مقابر أبدية لموتاهم الذين كانوا يضعونهم داخل غرف تحت الأرض تتضمن غالبا ممرات مبنية من الأحجار الكبيرة.
وتتراوح طرق الدفن بين توابيت من كتلة حجرية إلى أوان تحتوي على العظام والرماد المتبقي من حرق الجثث، وتم دفن المقابر مع التماثيل التي تحرسها تحت تلال ترابية إلى أن اكتشفها المغامرون الباحثون عن الذهب في القرن الثامن عشر.
وبخلاف المناطق الأخرى في كولومبيا فإن السكان المحليين في سان أوجستين ليس لديهم مناجم ذهب وتم العثور على قطع ذهبية صغيرة داخل المقابر المحلية.
ودمر الأشخاص الذين قاموا بعمليات النهب العديد من التماثيل التي تخضع الآن لحماية منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة كموقع للتراث العالمي.
وتم نحت التماثيل بأدوات حجرية خشنة، ولا يعجب كثير من الزوار بالنوعية الفنية لهذه التماثيل بقدر إعجابهم بما تمثله من نظرة تجاه العالم.
وكان القوم الذين عاشوا في سان أوجستين ينظرون إلى الكون كثنائية منقسمة بين الليل والنهار والظلام والضوء والأنثى والذكر والموت والحياة.
ولا يمكن لجانب واحد من المعادلة أن يوجد من دون الجانب الآخر كما يظهر ذلك من خلال أزواج من تماثيل الإناث والذكور وأعمال النحت ذات الخطوط المزدوجة أو الأشكال ذات الوجهين المعروفة باسم »أنا المزدوج«. وتقول زائرة تدعى إسبرانزا تناهز الستين من العمر جاءت من العاصمة الكولومبية بوجوتا إن هؤلاء القوم هم أسلافنا في الحضارة وقد تركوا لنا حكمتهم، وتضيف قائلة: إن هذا المكان له طابع سحري.
»د ب أ« - »الحواس الخمس«

