لمعرفة أدق التفاصيل عن الخوص كان ل»الحواس الخمس« جولة مع مجموعة من المتخصصات في صناعة الخوص للحديث عن المهنة وكيفية انتقالها إليهن، وهل سيقمن بتوريث هذه المهنة للأجيال المقبلة، وما هي طرق التوريث للحفاظ على هذه المهنة التراثية، فإلى التفاصيل.
اقترب »الحواس الخمس« من منزل، الأم آمنة، إحدى المتخصصات في صناعة الخوص في إمارة دبا الحصن، التابعة لمدينة الشارقة، التي استقبلتنا بحفاوة، وهي مرتدية العباءة السوداء والبرقع الذي يزين وجهها، والإبداع واضح من خلال صناعتها للسعف وهي تبرز الهوية الوطنية من خلال مزجها لألوان علم الإمارات في أفكارها الجريئة. بدأت آمنة بالحديث باسمة وهي تقول: كنت أزاول هذه المهنة منذ القدم، وعندما ابدأ بممارسة هذه الحرفة أتذكر أيام الماضي وكأن رائحة تلك الأيام تفوح بيدي، والمرأة في الماضي كانت حرفية متميزة، فهي ناسجة السدو، والسجاجيد، وهي صانعة الخوص والخزفيات، ومعدة الأطعمة والمأكولات، وهي الحائكة الماهرة.
وتضيف: ورثت هذه الحرفة عن والدتي وتعلمتها منذ كنت صغيرة، حيث وجدت نفسي بين أهٍل يمارسون هذه الحرفة، ونشأت معها وكبرت معي، كما كبر تعلقي بها. وتواصل حديثها: أحرص كثيرا على تعليم أبنائي أسرارها، وأحاول أن أحببها في نفوسهم حتى يستطيعوا أن يجمعوا بينها، وبين وظائفهم للحفاظ على هذه الجزئية من الموروث الشعبي.
وتضيف الوالدة آمنة عن أنواع الخوص: النوع الأول هو من بقية أوراق النخيل العادية، وهي أكثر خشونة وطولاً، ويتم غمرها بالماء لتطريتها حتى يسهل تشكلها، ثم تأتي مرحلة صباغة الخوص، التي يتم فيها تلوين الخوص، ولا يكتفي باللون الأبيض والحليبي، بل يتم صبغ الخوص بالألوان الطبيعية.
وتتوافر هذه الأصباغ في محال العطارة. بعد ذلك تبدأ الصباغة في وعاء كبير، وتوضع فيه الصبغة المطلوبة، ثم يتم إسقاط الخوص المطلوب تلوينه، ويترك لمدة خمس دقائق، ثم يرفع من الماء، ويوضع في الظل، وبالنسبة للخوص الأبيض والحليبي فإنه يكتسب اللون نتيجة تعرضه للشمس، فيتحول لونه الأخضر إلى اللون الأبيض.
وتتابع الحديث وهي تدقق فيما تصنعه: عند صبغ الخوص لابد من نقعه في الماء لتليينه، سواء كان عادياً أو ملوناً، لأن الصبغة لا تزال بالماء، وبعد تطرية الخوص يسهل تشكيله ويبدأ التصنيع بعمل جديلة طويلة وعريضة متقنة الصنع ومتناسقة الألوان.
ويختلف عرض الجديلة حسب نوع الإنتاج، وكلما زاد العرض زاد عدد أوراق الخوص المستعملة. ومن أهم واشهر منتجات الخوص هي: (السفرة، والسلة، والجفير، والقفة، والمهفة) بمختلف الألوان والأحجام، وكذلك من منتجات النخيل السباك، السرود وتستخدم في صناعتها الخوص وعذوق النخيل، وهذه المنتجات تحتاج إلى التركيز والدقة لما تحتاجه من إتقان.
موروث شعبي
ومن جهتها تقول أم يوسف الطنيجي، ربة منزل: تشتهر دبا الحصن بحفاظها على الموروث الشعبي والعادات القديمة إلى يومنا هذا، ومن أهم الصناعات »الجفير«، وهو السلة المصنوعة من خوص النخيل ليستخدمها أهل البحر في حمل الأسماك، ويستخدمها أهل البر في حمل الرطب.
كما تستخدم في حمل المشتريات من السوق، وأيضا صناعة السرود وهي قطعة حصير مدورة توضع فوقها أطباق الطعام، وتصنع من خوص النخيل بعد نقعه بالماء لتليينه، ثم تصنع منه الجديلة »السفّة«، وبعدها تخاط الجديلة باستخدام المسلة (الإبرة الكبيرة)، والسير (الخيط)، وكما هو معروف يستخدم السرود كمفارش للأكل أو كقطع لتزيين واجهات المنازل.
ومن الصناعات الأخرى »المكب« وهو عبارة عن غطاء هرمي يصنع من نوع خاص من خوص النخيل، وتغطى به »الفوالة« أو صينية الطعام لحفظ ما فيها من الحشرات.
أيام زمان
بدأت أم حمدان، ربة منزل، وأم لسبعة أبناء وهي تتأسف على هذا الجيل، تقول بالعامية: »واعلي من جيل الزمان ناسي تراثه وين زمان أول وين الحرمة السنعة«، فالمرأة سابقا تتزوج وهي في 31 من عمرها، وتنهض من الفجر، وتقوم بإعداد الفطور من خبز الرقاق والخمي »المهفة والسروت والمجبة والحصير«، وقبل لا أذان الظهر تقوم بإشعال التنور لشوي السمك وإعداد الأرز، تنهي حديثها وهي تقول: الله يرحم أيام زمان.

