«أكبر نجفة في العالم المسجلة في موسوعة جينيس للأرقام القياسية تضيء حاليا مسجد حسن الشربتلي بحي التجمع الأول، أحد الأحياء الجديدة بالقاهرة».. كان هذا هو مضمون الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية من بينها BBC البريطانية، وعلى الرغم من قول العديد من الجهات والبلدان إن لديها أكبر ثريا في العالم، فإن هذه النجفة التي نفذت بتصميم مصري هي الوحيدة المسجلة في الموسوعة العالمية للأرقام القياسية باعتبارها الأكبر.. «الحواس الخمس» التقت د. أمير صالح أستاذ العمارة الهندسية مصمم النجفة التي تضيء حاليا أحد المساجد المصرية، وتعرفت منه إلى تفاصيل إنجازها، فإلى التفاصيل.

يوضح د امير صالح ان نقطة البداية جاءت من خلال أحد رجال الأعمال السعوديين الذي شيد في أحد الأحياء الجديدة بالقاهرة مسجداً له خصوصية في بنائه وتصميمه، ولكونه أسس على أسلوب معماري فريد، كان لا بد أن تضاء أنواره بطريقة تناسب روعة وتميز هذا التصميم، ومن هنا وقع الاختيار عليّ لأتولى تصميم الإضاءة وتوزيع الأنوار، وقد هداني المولى عز وجل إلى تصميم «نجفة» على الطراز الإسلامي المتفرد في مضمونها وشكلها أطلق عليها «الثريا» لتشع أنوارها داخل المسجد ككل، وهي مصنوعة بالكامل من النحاس المطلي بالذهب عيار 24، وقد استخدمنا في صنعها 2333مترا من السلاسل والمواسير المعدنية.

عمارة حداثية

وعن استلهام الفكرة يقول : جاءت هذه الفكرة لتناسب المدخل التصميمي لهذا المسجد الذي نطلق عليه كمهندســين معمارييــن «عمــــارة ما بعد الحداثــــة» Postmodern architecture، وهو نوع من العمارة الكلاسيكية المهجنة التي تدعم الفكر الكلاسيكي التاريخي بشكل واضح. وقد ظهر هذا الاتجاه بعد عام 1960م، حيث ظهر عدد من المعماريين ركزوا على التجريد ومحاولة التخلص من رتابة المباني السائدة والوصول إلى مبان أكثر دفئا تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل لتحقيق تواصل الأجيال.. وبالطبع لم يكن دخول موسوعة الأرقام القياسية هدفا في حد ذاته، إنما الهدف هو إنجاز هذا العمل الفريد بما يتناسب مع الأجواء الروحانية الفريدة في المسجد.

وتتسم بالبساطة والخطوط المستقيمة وعدم استخدام الزخارف التقليدية، والإكثار من العناصر المعمارية واستخدام الزخرفة والخيال والإثارة، والحرية المطلقة للمعماري في تصميم مبانيه.كما أن الاهتمام ليس في المبنى فقط، بل أيضا بالفراغات حوله، ما ساعد في خلق جو وبيئة سكنية متكاملة.. وهذا النوع من العمارة له عدة مداخل للتعامل مع التراث، أهمها وأكثرها عمقا هو التعامل مع التراث كمصدر للقيم والمفاهيم والأفكار، وليس فقط مصدراً للأشكال، وبالتالي حينما أتعامل مع مبنى «مسجد» يجب التعامل مع التراث الإسلامي كمصدر رئيسي للقيم والمفاهيم، فمثلا عند تصميمنا مسكنا خاصا من الأهمية قبل أن يحتوي على المشربيات والعقود المدببة أن يعبر عن قيم حق الجار والخصوصية.

3 مستويات

وعن جوانب الحداثة يضيف صالح انه من الأهمية عند تنفيذ وحدات الإضاءة لأي مسجد مراعاة واحترام المدخل التصميمي المعماري به، خاصة في حالة بناء مثل مسجد «الشربتلي» الذي ينتمي إلى عمارة ما بعد الحداثة، وقد فرضت طبيعة التصميم المعماري للمسجد نفسها على تصميم الثريا، فقد توصلت في تصميمها إلى ثلاثة مستويات رئيسية «مربع»، «مثمن» و»دائرة»، أما «المربع» فهو أقرب مستوى إلى المصلين ويعبِّر عن الأرض باتجاهاتها الأربعة، وأيضا مكوناتها الأربعة «الماء والهواء والنار والتربة»، وبالتالي هو أنسب الأشكال للتعبير عن مكان وجود البشر «الأرض».

أما «المثمن» فيعبر عن عرش الرحمن مصداقا للآية الكريمة «وَالْمَلَكُ عَلَىَ أَرْجَائِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ»، ثم تأتي «الدائرة» وهي أيضاً شكل هندسي مكونة من عدد لا نهائي من النقاط، وبالتالي تعبر عن عدد الخلق الذي لا يحصي، وتم ربط هذه المستويات الثلاثة بسلاسل مغطاة بمواسير من النحاس، تليها الدوائر السبع التي يزداد قطرها كلما اتجهنا إلى أسفل في تعبير عن السماوات السبع، وتم ربط هذه الدوائر بكابلات مضيئة لتعطي الإحساس بوجود فيض نوراني ينزل من أعلى الثريا «اتجاه السماء» في اتجاه المصلين وأرضية المسجد مرورا بالسماوات السبع.

للدلالة على أن الله نور السموات والأرض، كما تم مراعاة اختيار وحدات إضاءة غير تقليدية عبارة عن مكعب مشطوف الأرقام ليعطي إحساسا بأن هناك جوهرة أو قطعة من الكريستال المضي تتلألأ من خلال الضوء المنبعث من داخلها.

وعن الآلية التي ساعدته في تصميمها يقول : عادة عند تصميم المباني ذات الطابع الديني يهتم المعماري المسلم بإضفاء الجلال والعظمة على المبنى من خلال المبالغة في الارتفاع حيث كلما زاد ارتفاع المبنى أضفى هذا شعوراً بالجلال والعظمة لدى المشاهدين، إلا أنه في الوقت نفسه تصبح هناك مشكلة ناتجة من الارتفاع الشديد لمكان تعليق وحدات الإضاءة وبعده عن المستوى المراد إضاءته، فتكون النتيجة تعليق وحدات الإضاءة بواسطة سلاسل طويلة جداً أعلى المبنى مدلاة حتى المستوى المطلوب، ما يؤدي إلى إهدار مساحة كبيرة من الفراغ دون الاستفادة منها، كما تؤثر أشكال السلاسل سلبا على المظهر العام للمبنى.

من هنا كان التفكير في كيفية الاستفادة من كامل ارتفاع المبنى بحيث تبدأ وحدات الإضاءة «الثريا» من أول نقطة التعليق الموجودة على ارتفاع 25مترا ونصف المتر من أرضية المسجد، وبما أن المطلوب وصول مستوى الإضاءة إلى ارتفاع نحو 7 إلى 8 أمتار لمستوى الأرضية، فقد وصل ارتفاع الثريا إلى 5. 71 مترا.

القاهرة - دار الإعلام العربية