استطاعت عاصمتنا الحبيبة أبوظبي طوال السنوات القليلة الماضية أن تكون محط جذب لعشرات من المشاريع العملاقة التي تجمع بين الجوانب الثقافية والفنية والجوانب السياحية والاقتصادية الجاذبة عبر استراتيجية تقوم على جعل أبوظبي مركز وجسر تواصل لثقافات العالم المختلفة.
وكان لجزيرة السعديات التي تقع على بعد دقائق عن قلب العاصمة الدور الأساسي في هذه الاستراتيجية البعيدة المدى، فمشاريع مثل «متحف لوفر أبو ظبي» و«متحف جوجنهايم أبو ظبي» وغيرهما من المشاريع التي سترى النور خلال السنوات القليلة المقبلة أسهمت في جذب الأنظار لما تمثله أبو ظبي في خارطة المشهد الحضاري العالمي؛ إلا أن ذلك لم يمنع من توجه وسائل الإعلام الغربية على وجه الخصوص لتسليط الضوء على أسماء «الماركات العالمية» تلك على حساب المكان الظبياني المشرق.
«الحواس الخمس» استطلع آراء عدة شخصيات مهمة حول هذا الجانب في منارة السعديات في أبو ظبي وكانت هذه الآراء ..يقول مبارك المهيري مدير عام هيئة أبو ظبي للسياحة العضو المنتدب في شركة التطوير والاستثمار السياحي المشرفة على هذه المشاريع إن التعاون مع مؤسسات يبلغ عمرها عشرات بل مئات السنين كاللوفر وجوجنهايم وغيرهما يعد خطوة كبيرة في مجال الجذب الشامل للعاصمة أبو ظبي .
ويضيف: لقد أنجز شركاؤنا هؤلاء وغيرهم عشرات من الأبحاث الدقيقة حول ماهية وأهمية المكان -مثلما أجرينا نحن بالمقابل- لإنجاز هذه الشراكات بعيدة المدى، ولئن نظرت بعمق إلى مسمى مشروع مثل اللوفر فأنك سترى أنه يحمل اسم «لوفر أبو ظبي» بمعنى أنه يحمل روح المكان وثقافته، وعلى سبيل المثال فأن متحف «بلباو فاسكو جوجنهايم» للفن المعاصر في أسبانيا يحمل طابع المكان أيضاً واستطاع أن يتميز عن المتحف الرئيسي بثيمته الخاصة، وهذا ما نحاول عمله في أبو ظبي، وسيكون لمجموع المشاريع الثقافية في السعديات تأثير كبير على المدينة وهي ستؤثر بتلك المشاريع أيضاً، أما عن طغيان اسم الماركة العالمية على اسم المكان عبر بعض وسائل الإعلام الغربية فهذا سينتهي مع الوقت وسيحظى المكان المقامة عليه بالضوء الكامل.
أما ريتا عون عبدو مدير الإدارة الثقافية في شركة التطوير والاستثمار السياحي في أبو ظبي فتقول: من الطبيعي أن يجري الاهتمام باسم الماركة العالمية كاللوفر وغيره من قبل وسائل الإعلام الأجنبية بحكم الأقدمية أو الأهمية الثقافية، إلا أن ما نسعى إليه ونحاول عمله هو تسليط الضوء على المكان «أبو ظبي» وربطه بالمراكز العالمية ليتحول إلى مركز جذب، والأهم من كل ذلك هي الطريقة التي نعمل بها من أجل ذلك، فرسالتنا في شركة التطوير تقوم على إنجاز شراكات استراتيجية واضحة الملامح لمديات بعيدة مع شركاء عريقين في المجالات الثقافية والفنية.
ومثلما يقدم العالم الغربي رموزه الحضارية والفنية والثقافية للآخر؛ فأننا من خلال هذه المشاريع الضخمة سنزج برموزنا الإماراتية والعربية والشرقية الثقافية والحضارية في هذه المشاريع لتسليط الضوء العالمي عليها، ومن خلال تجربتي الشخصية العملية مع وسائل الإعلام الغربية وتعاملها مع هذه المشاريع، أرى بأنهم يأتون إلى أبو ظبي بفكرة ويخرجون عنها بفكرة أكثر نضجاً عن مستوى الحياة والثقافة والإنسان في المنطقة، وما أن ترى المشاريع الثقافية العملاقة النور ويجري افتتاحها حتى يكون اسم أبو ظبي هو المهيمن على المشهد الثقافي والفني العالمي في السنوات المقبلة في جميع المحافل.
ويرى لاري غاغوسيان أحد أشهر أصحاب المجموعات الفنية على مستوى العالم والذي يقام أكبر عرض لمجموعته الخاصة في قاعة منارة السعديات خلال هذا الشهر؛ يرى بأن محطة عرض مجموعته الفنية في أبو ظبي هي محطة مهمة في سيرته بهذا المجال ويقول: إنها المرة الأولى التي أعرض فيها خارج بلدي، وأعتقد أن أبو ظبي باعتبارها مركزاً جديداً لتلاقي حضارات وثقافات العالم يمثل فرصة لي ولغيري من عشاق الفن للاحتكاك أكثر بتجارب الآخرين.
لا سيما أن أبو ظبي استطاعت خلال سنوات قليلة من جذب أسماء شهيرة في عالم الفن والثقافة من مختلف دول العالم، وأرى أن ارتباط اسم أبو ظبي بهذه الماركات العالمية والعكس صحيح سيسهم ببزوغ فجر جديد للتلاقي الحضاري بين الشرق والغرب، وتجربتي في العرض في أبو ظبي هي تجربة مثيرة بالنسبة لي في هذه البقعة الجميلة من العالم.
أما الفنانة التشكيلية الإماراتية خلود الجابري فترى الأمر من ناحية أخرى حيث تقول: إن الاستراتيجية التي قامت عليها فكرة تنفيذ هذه المشاريع الثقافية العملاقة في أبو ظبي هي استراتيجية ذكية بأهداف بعيدة المدى، فهي تجمع بين الجانبين السياحي والاستثماري من جهة والحضاري الثقافي من جهة أخرى، فجزيرة مثل «السعديات» كانت شبه مهجورة قبل فترة قريبة تحولت إلى مركز استقطاب أشهر الأسماء العالمية في تصميم المتاحف والمراكز الفنية وأعتقد أنه ومهما جرى طغيان اسم الماركة العالمية كاللوفر وغيره على حساب اسم المكان إلا أن المحصلة النهائية على المدى البعيد ستكون في صالح المكان ذاته وسيكون زوار وجمهور هذه الصروح الثقافية العملاقة مجبرين بحكم تواجدهم على التعرف على عادات وتقاليد المكان وتاريخه.
فقد أتاحت العولمة بجانبها الجيد فضاء المعلومات للجميع ومن يأتي لزيارة هذه المتاحف سيبحث عن تاريخ المدينة وعادات أهلها من باب الاستطلاع والفضول، ونحن كفنانين إماراتيين ننتظر افتتاح هذه المشاريع بشوق كبير، لأننا نعتقد أنها ستسهم في صناعة أجيال إماراتية مثقفة بثقافة عالية في مجالات التاريخ والفن والذائقة الجمالية.
أبو ظبي- محمد الأنصاري
