الأناقة رغبة فطرية لازمت الإنسان منذ العهود التاريخية الغارقة في القدم، فقد صاحبته منذ فجر حياته. ودللت الآثار القديمة فعلياً على أن الإنسان حتى في مراحله البدائية (حوالي 20 ألف سنة قبل الميلاد) كان يميل إلى الأناقة؛ فعندما كان معظم جسمه عارياً كان يزينه بأنواع الوشم ويتفنن فيها، كما استخدم بعد ذلك الحلي المختلفة، وكان لابد أن يتطور إلى ما نراه اليوم من استخدام أنواع الأقمشة وألوان الأزياء ومختلف وسائل التزين والحلي وما شابه ذلك.

تقول مصر سعد الشرقاوي المتخصصة والباحثة في الآثار المصرية القديمة إن الحضارة المصرية تعتبر من أقدم الحضارات التي عرفت الأزياء الفاخرة الأنيقة وأنها توصلت من خلال أبحاثها التي حصلت بعدها على درجة الماجستير ، إلى أن العديد من الآثار التي امتلأت بها المقابر والمتاحف أكدت بلوغ المصريين القدماء مبلغاً كبيراً من الترف والتأنق في الزي، حتى أنهم لم يتخذوا من الزي مجرد غطاء للجسد، بل قاموا بعملية حضارية مركبة يقدرون فيها تأثير المناخ واللون ونوع النسيج في تصميم أزيائهم لتتناسب مع أي مناخ وأي موقع. وأضافت: إن من دواعي المفارقة أنه في الوقت الذي تتسابق فيه السيدات العربيات نحو تقليد الموضة الغربية في الماكياج والأزياء، ويلهثن لمتابعة آخر أخبار عارضات الأزياء أمثال ناعومي كامبل وكلوديا شيفر وغيرهما؛ فإن الخبراء الغربيين تأكدوا بدراساتهم المتخصصة من أن الفتاة الفرعونية هي أصل الجمال والسحر في تاريخ البشرية، وأن الماكياج الفرعوني سيصبح موضة الأعوام المقبلة، وأن خلطات الماء والأعشاب واللبن والزيوت العطرية المستخلصة من الزهور الطبيعية للاحتفاظ بالشباب هي الأفضل والأكثر ملاءمة للصحة.

وتقول المصممة السعودية زاكي عبود: إن هذا التمازج بين الماضي التراثي والحاضر المبهر كان منطلقها وركيزتها نحو العالمية، فقد اعتزت بشرقيتها وتشرفت بانتمائها للمملكة العربية السعودية فاحترفت الموهبة وحولت أحلامها في عالم فن الأزياء إلى واقع تألق ونضج محلياً لاسيما بعد فوزها بالأوسكار لأجمل فستان زفاف على مستوى المملكة. وأضافت: إن فلسفتها ارتكزت على إقامة معارض في عواصم عالمية شهيرة لتؤكد أن المرأة العربية لديها فكر خلاق وأنها كسفيرة لوطنها صاحبة رسالة سلام مفادها أننا نرفض العنف ونساهم في رسم حضارة الإنسان ونزرع الابتسامة للعالم أجمع وأن هذه الفلسفة الراقية كانت السبب في نجاحها في كل المعارض التي أقامتها.

وأكدت زاكي أن الرسم التشكيلي احتل مساحة كبيرة في إبداعها في عالم الموضة لاسيما أنها ترسم لوحاتها وإبداعها على القماش قبل أن يخرج في صورة أزياء راقية تضيف تألقاً وجمالاً وإبهاراً على المرأة، كما أنها نجحت تماماً في ان تغير نظرة المجتمع الغربي للمرأة السعودية الذي كان يصفها بأنها تعيش منزوية ومهمشة ومنطوية في المنزل ولا تتفاعل مع المجتمع الخارجي وان حصولها على جوائز مميزة في أوروبا أكد تميز وتفرد المرأة السعودية في فنون الموضة.

وألمحت المصممة السعودية وهي تعتزم افتتاح دار أزياء عالمية بمدينة جدة تحتوي على قطعة واحدة من كل تصميم ومزودة بنحو 12 شاشة بلازما لعرض أخبار العالم في كافة خطوط الموضة التي تعتمد فيها على الألوان القوية المتضاربة كالأورانج والبيج والموف والأخضر من أقمشة الحرير على الجازر والحرير على شنتن، كما سيلحق بالدار أول أكاديمية عربية سعودية لفن الأزياء على مستوى عالمي لتعليم وتدريب الفتيات السعوديات والعربيات على هذا الفن الجميل.

وأشارت زاكي إلى أنها فنانة ارتبطت بالبيئة وان اختيارها للخيول العربية كرمز في أزيائها كان بسبب الكبرياء والشموخ الذي تتمتع به الخيول التي ارتبطت ببيئة الصحراء. كما أن اختيارها للبحر كان بدافع ما يحويه البحر من أسرار وكنوز وروعة مما أعطى أفقاً لا نهائي للتأمل والخيال والإبداع على اعتبار أن عشق البحر يعني استخدام لونه وأمواجه وهدوئه وحتى غضبه في خطوط الموضة المعبرة والمستوحاة.

وأشارت المصممة حياة خشيم التي تعد من أقدم المصممات السعوديات اللائي قضين 72 عاماً في مجال التصميم والإبداع إلى أن خطوط الموضة التي تستخدمها في أزيائها ترتبط بالتراث بشكل مباشر وتسوحي أفكارها من مكة المكرمة والمدينة المنورة وأنها تميل للمشغولات بسلوك الذهب والفضة وهو اللون البدوي الأصيل الذي يعبر عن جانب كبير من اهتمامات المرأة السعودية العاشقة لهذا اللون.

وأكد الإعلامي السعودي هشام محمد عبدالله كعكي مدير تحرير جريدة الحياة اللندنية في جدة أن الزمن تغير وأذواق الناس تغيرت وبالتالي تغيرت الموضة بفضل الانفتاح على الخارج فهناك 60 ألف طالب بعوائلهم يدرسون خارج حدود المملكة في مختلف دول أوروبا ما أحدث تفاعلاً وتداخلاً كبيراً جداً مع الثقافات الخارجية.

وبرهن هشام كعكي على أن الثوب السعودي الذي يعتبر الزي الرسمي للرجال قد أدخلت عليه تغيرات جذرية بعد أن ظل مئات الأعوام متمسكاً بل ومتشبثاً بلونه الأبيض أو السمني التقليدي الجامد المألوف بلا تغير أو تطوير أو حتى تحديث، أصبح الآن يعيش ما يشبه انقلاباً في أذواق الرجال الذين انحازوا للتطوير والتغيير بزاوية تصل إلى 180 درجة بعد أن تحول اهتمامهم لتفصيل الثياب من مختلف الألوان بل أن هناك الآن ثياباً تصنع من أقمشة ملونة مزركشة ومشغولة ومطرزة.

وذات ألوان صارخة كانت تعتبر في الماضي غير لائقة بل كان من العيب ارتدائها حتى تطور الأمر وأصبحت بعض الثياب تصنع من أكثر من لون لاسيما في منطقة الصدر لإعطاء شكل مختلف لصاحبها يدلل على رقي ذوقه وارتفاع مستواه الاجتماعي لدرجة أن تكلفة تفصيل ثوب واحد في أحد المحلات الراقية أصبحت تقترب من 200 يورو بعد أن كان لا يتجاوز تفصيله في الماضي عن 20 يورو فقط.