كانت الظاهرة لافتة هذا العام®. وهى خلو الحدائق العامة في القاهرة من روادها التقليديين وزوارها المرتبطين بها في الأعياد والمناسبات على وجه التحديد®.
وكما هو معروف أن الحدائق العامة في مصر والمشيدة على أعلى مستوى من وسائل الرفاهية والراحة والتنزه كانت حتى وقت قريب ملجأ للشباب والأسر والأطفال في كل أنحاء القاهرة، خاصة في الأعياد والإجازات والعطلات، حيث كان السائحون الوافدون للقاهرة لا يجدون بها موطئ قدم. ولكن حديقة الأزهر التي سحبت البساط من تحت أقدام الحدائق الأخرى أصبحت الخيار الأول للتنزه في القاهرة، فغير أنها جميلة ورائعة تتوافر فيها كل معينات الترفيه والراحة، فهي تتميز عن باقي الحدائق بأنها أصبحت أحد المشروعات المهمة لنشر الثقافة الراقية فضلاً عن جمالها المبهر.
بحيرات صناعية
تضم الحديقة بحيرات صناعية على أعلى مستوى من الرقي والتصميم ونوافير جميلة وهضاباً عالية يمكنك من خلالها مشاهدة كل معالم القاهرة الفاطمية والتاريخية، كما تضم مطاعم مجهزة تطل على ضفاف البحيرة، ومساحات كبيرة خصصت للعب الأطفال وبين أركانها مكتبات لبيع الهدايا، بالإضافة إلى وجود حديقة غاطسة تسر النظر.
يقول »محمد حسن« طفل في الثانية عشرة من عمره عندما سألناه عن حدائق الأزهر: هذه أجمل حديقة، وأنا زرت حدائق عديدة ولكن هنا سرقني الوقت ولم أحس بالملل ويتوافر فيها كل شيء، وسأقترح على زملائي أن نقوم برحلة إلى هذه الحديقة فبعضهم لم يزرها بعد«.
يلتقط الحديث زميله الطفل أمجد »بابا أجلسنا في المطعم وهو مكان جميل وحتى أكله جميل وأنا سعيد هنا وسأزور هذه الحديقة في الإجازات والأعياد باستمرار«.
وأعتقد أن أكثر ما يشد الأطفال تجاه هذه الحديقة المساحة الكبيرة التي شيدت عليها وهى مساحة بلغت 03 فداناً، وقد بدأوا في تشييدها عام 4891 من خلال مؤسسة »الأغا خان« فاختاروا منطقة مهملة ومهجورة ترتفع 04 متراً عن المناطق المأهولة بالسكان.
منطقة تاريخية
وما يميز حدائق الأزهر أنها تقع في منطقة تاريخية، حيث تطل على المدينة الفاطمية القديمة من الجانب الغربي وتمتد حتى الدرب الأحمر وتجاورها قلعة صلاح الدين، وعلى مرتفعاتها تشاهد القاهرة القديمة بكل تفاصيلها، خاصة مناظر المساجد والأضرحة في منظر بانورامي رهيب، وفي تشييدها اهتموا بأن تكون بنظام المعمار الإسلامي الذي يتناسب مع المنطقة المحيطة وهي القاهرة الفاطمية، فتجد حوائطها وشوارعها الداخلية وحتى أماكن الجلوس قائمة على المعمار الإسلامي.
لفتت نظري »هاجر« فتاة في الثلاثين من العمر جلست بعيداً داخل الحديقة وهي تقرأ كتاباً، وسألناها: ألا تستهويك هذه المناظر والألعاب والمطاعم؟
قالت »لقد لعبت كالأطفال، والحديقة مغرية وجاذبة وتلك أسرتي التي تجلس في ذلك المكان بالقرب من ملاعب الأطفال ولكن ما يميز هذه الحديقة أنها تمثل حالة نادرة من الهدوء نسبة لكبر مساحتها فيمكنك أن تنسحب إلى مكان ولا تجد فيه غير الخضرة والمياه والبحيرة الصناعية التي تمر أمامك وتتيح لك فرصة التأمل والقراءة«، كيف لا وهذه الفتاة قد أشارت إلى جانب مهم تمت مراعاته عند تنسيق هذه الحديقة حيث تمت زراعة 2 مليون شتلة من النباتات والأشجار، منها الجميز والعناب والأشجار اليابانية والأعشاب الطبية والورود بكل أنواعها.
وقال الخبراء عنها إنها تمثل الرقعة الخضراء الوحيدة في هذه المنطقة، وهي منطقة القاهرة الفاطمية التي تقوم على البنايات الكبيرة والمساجد والقصور والأضرحة وتحتاج بالفعل إلى متنفس من خلال هذه الحديقة، خاصة أن النخيل والأشجار الورافة تحيط بها من كل جانب.
أحمد صالح » مهندس« كان في زيارة للحديقة قال »إنها أجمل حديقة في العالم من وجهة نظري، لقد زرت حدائق كثيرة خارج مصر ولكن لا يوجد فيها كل ما يتوافر في حدائق الأزهر، وما يؤكد ذلك أن أغلب الناس يفضلونها، ورغم الأعداد الكثيرة جداً التي تزور الحديقة لا تحس بالزحام، وتلك المرتفعات التي تتوسط الحديقة وترى منها القاهرة القديمة فكرة رائعة ومن خلالها يمكنك أن تدرك جمال هذه المنطقة والطراز المعماري النادر الذي شيدت به«.
طراز مملوكي
وخلال تجوالنا داخل الحديقة للسؤال عن المطعم استوقفنا أحد الحراس الذي تحدث بإسهاب عن الحديقة وانتهزنا الفرصة لمزيد من المعرفة، حيث أفاد ان هناك مطعمين هما مطعم القلعة ومطعم البحيرة، وشيد مطعم القلعة على الطراز المملوكي فهو يقع على الجهة اليمنى من الحديقة، والمطعم الآخر »البحيرة« يقع في الجهة اليسرى وسط البحيرة الصناعية، وأضاف ان هناك مقهى رائعاً شيد على هضبة مرتفعة تعد الأعلى في الحديقة وتحيط به نوافير جميلة.
وأثناء تنزهنا داخل الحديقة لفت نظرنا أن الحديقة قبل إنشائها أوجدت في مكان كان من الصعب أن يكون مجالاً للخضرة، ولكن أحد المسؤولين في الحديقة أكد أنه عند تهيئة الموقع لإنشاء الحديقة كانت هناك مفاجآت كبيرة أدت إلى اكتشافات أثرية مهمة أولها اكتشاف سور الحديقة الأيوبية التي يعود تاريخها للقرن الثاني عشر في عهد صلاح الدين وكذلك أحجار ثمينة مكتوب عليها باللغة الهيروغليفية، حيث اكتشفوا أن هذه الأحجار كانت جزءاً من سور قلعة صلاح الدين التي تقع في طريق صلاح سالم.
وأجمل ما يلفت النظر أن الأطفال على وجه التحديد عندما يتحدثون عن العيد يتفاخرون بأنهم زاروا حدائق الأزهر.
وحدائق الأزهر مقسمة إلى أجزاء، وداخلها تجد الأبواب الكبيرة بين مكان وآخر، وتجد القادمين بالعربات يدفعون رسوماً قليلة لا تزيد على الخمسة جنيهات، وفي أركان الحديقة التي تمثل مدينة بحالها مجموعات كبيرة من الأسر كل منها في ركن هادئ، والأطفال بمجرد استقرار الأسرة داخل الحديقة يهرولون إلى أماكن اللعب واللهو قبل أن يعودوا إلى منازلهم وهم يحلمون بالعودة إلى هذا المكان الجميل.
القاهرة: دار الإعلام العربية

