»عائلة ميكي« واحد من الأفلام التي يتم عرضها حاليا بدور العرض السينمائي في مصر، وأول ما يستوقفك في الفيلم هو عنوانه الذي يعيدنا إلى فيلم »عائلة زيزي« الذي قدمه المخرج فطين عبد الوهاب عام 2691 من بطولة فؤاد المهندس وسعاد حسني، وإلى فيلم »إمبراطورية ميم« عام 2791 من بطولة فاتن حمامة وأحمد مظهر وقصة الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس.
فالمقارنة بين الفيلمين وعائلة ميكي واردة لأكثر من سبب، أهمها اشتراك الأعمال الثلاثة في نقل مشكلات الأسرة على شاشه السينما من عائلة مكونة من خمسة أبناء مع الأم والأب والجدة ولكل فرد منها همومه ومشاكله التي أفرزها عصرنا الراهن.الفيلم الذي كتبه المؤلف الشاب عمر جمال، يصنف كفيلم اجتماعي أو عائلي ويحاول نقل المشاكل التي يقع فيها جيله مبتعد عن السفه ونوعية الأفلام التي تعتمد على تيمة الرقص والأغاني التي يجذب بها المنتجون شريحة الشباب التي تمثل الجزء الأكبر من جمهور السينما.
ينقل الفيلم واقعا اجتماعيا لأسرة مكونة من خمسة أفراد: زوج لا يتحمل المسؤولية، حياته كلها منحصرة في عمله بالشرطة، فهو ضابط كل وظيفته أن ينام في منزل هادئ بعد عودته من يوم عمل طويل كعادة الآباء المصريين الذين يعتبرون بيوتهم فندقا للنوم فقط. والمشكلة الوحيدة التي يتدخل فيها هي طرده قطة ابنه مازن التي تؤرق نومه ويجسد دوره الفنان القدير أحمد فؤاد سليم.
أما الأم فهي الموظفة في الشؤون القانونية في إحدى المصالح الحكومية التي لديها الكثير من الأزمات في حياتها فتعاني من برود زوجها وابتعاده عن تربيه أبنائه وتحمل مشقة تربيتهم.
وتجسد دورها الفنانة لبلبة التي أعادتنا بشكل هادئ إلى دور القديرة فاتن حمامة في فيلم »إمبراطورية ميم« فوقعت في أزمة منتصف العمر، وفي الوقت نفسه وقعت في أزمة تربية خمسة أبناء بمراحل مختلفة، كل منهم يعاني من أزمات كبيرة في حياته ورغم تشابه دور لبلبة مع دورها في فيلمها الأخير »يوم ما تقابلنا« إلا أنها أعادتنا الى جمال وهدوء الزمن الجميل.
وتمكنت بحجابها من نقل صورة المرأة المصرية التي تعاني من استهتار زوجها وإهمالها في نفسها ورومانسيتها من أجل تربية أولادها، فبأداء بسيط تمكنت مريم من نقل مشاكل الأم المصرية وما تعانيه، ورغم العمر الفني الطويل للفنانة لبلبة إلا أنها تمكنت من الظهور بأداء جديد جدا عليها.
أفراد الأسرة
تترابط الشخصيات التي تبدأ من الطفل الصغير ميكي الذي يجسد دوره الطفل محمد طلعت والذي يعتبر مكسبا كبيرا في هذا الفيلم، فظهر بخفة دم تنم عن فنان ونجم جديد في عالم الأطفال فهو بخفة دم تمكنه من أن يجعل الفيلم باسمه حيث يجمع بين »لماضة« الأطفال المصريين وشقاوة أطفال الألفية الثالثة الذين يتمتعون بمحتوى ثقافي كبير نابع من مشاهدتهم الأعمال الفنية في الصغر، وهو ما يظهر في الحوار الذي أتقنه هذا الطفل.
أيضا يبرز الفيلم المشكلة التي تواجهها الأم في الابن الأكبر مصطفى الذي يجسد دوره الوجه الجديد أمير شوقي الذي تخرج في كلية الشرطة، وأصبح ملازما أول لكنه يكره الشرطة بسبب والده فقد صارت المهنة كالهم الذي يعيش فيه.
وهو ما جعله طوال الأحداث كارها لنفسه وللوظيفة فيعمل في أحد أقسام الشرطة ويدخل في علاقة عاطفية تضطره لأن يصطحب صديقته إلى الشقة رغم علمه بوجود جدته الكفيفه هناك إلا أن رغبته لم تمنعه من ممارسة الرذيلة في بيت والده بحجة أنها »رجولة«، كما يقول في الفيلم، وهو ما يشرح مستوى الانحراف الذي يقع فيه الشباب حتى وهم لا يعانون من البطالة ولكن الحرمان والمعاملة السيئة من الآباء جعلتهم في حالة خطرة.
ويظهر بنجومية في الفيلم الممثل الشاب عمرو عابد في ثالث تجربة له، حيث يقوم بدور طالب يرسب في كليه الهندسة لعامين، ويقنع أهله بأنه في السنة الرابعة بالكلية.
ومن خلال هذه الشخصية تمكن المؤلف من شرح كل الأزمات التي تقابل شباب الجامعات في شخص واحد من خلال تناوله المخدرات التي لا يعلم خطورتها مرورا بعلاقاته مع الفتيات، ولم ينس المؤلف نقل الصورة الجامعية بتفاصيلها مرورا بالمذكرات وأزماتها والأخطار التي يواجهها الشباب في هذه المرحلة، وهو ما برع فيه المؤلف.
أما الأخت الصغرى ميادة التي تعاني من أزمة فهي بالنسبة لصديقاتها أقلهن حظا في المعاكسات والأقل حظا في علاقاتها مع الشباب، وبمرور الأيام تغيب الابنة عن المدرسة وتتعرف على علاقات غير سوية عبر الإنترنت وتصل جرأتها لاستضافة صديقها في الشقة لتبادل القبلات.
تتضافر الأحداث وتصل الأزمات إلى قمتها عندما تكتشف الأم أنها فشلت في تربية أبنائها عندما يظهر محمد مندور الذي يخبرها بأنها تم اختيارها في مسابقة الأسرة المثالية لتكتشف أن أولادها ضحكوا عليها وضاع عمرها دون أن تحقق أي شيء.
وبذلك خرج الفيلم من إطار النمطية التي يقع فيها معظم الأفلام المصرية، وهو الإحساس بالندم وتقديم حلول تقليدية من خلال زيجة معينة أو نهاية مأساوية بوفاة أحد الأولاد، ولكن العمل نجح في النهاية في أن يكشف الفائدة الوحيدة التي خرجت بها عائلة ميكي وهي معرفتها واقترابها من شخصيات أبنائها.
ولا ننسى الجدة مفيدة التي جسدت دورها الفنانة القديرة رجاء حسين وهو نفس الدور الذي قدمته في شهر رمضان من خلال مسلسل عايزه اتجوز، فقد برعت الفنانة في أداء الدور رغم تأديتها نفس تفاصيله أكثر من مرة، وأعطى تجسيدها دور الجدة الكفيفة جوا من المرح والفكاهة على العمل فحوله من مجرد عمل اجتماعي إلى عمل كوميدي يهم قطاعا كبيرا من الجماهير.
حرفية الكتابة
الفيلم رغم تواضعه إنتاجياـ لم يتكلف سوى 3 ملايين جنيه فقط ـ ورغم أن ديكور شقة عائلة ميكي لم يتغير طوال الأحداث إلا أن المخرج أكرم فريد تمكن من خلاله من شرح تفاصيل الشقة من خلال ذكريات كل فرد في الأسرة مع هذه الشقة. أيضا كانت الموسيقى التصويرية للعمل مميزة للغاية فكانت مؤثرة في أحداث العمل.
عاب النقاد على السيناريو عدم الحرفية في كتابته فهي التجربة الثالثة للمؤلف، ورغم نضجه الفني في اختيار الأفكار فإن بعض الشخصيات خرجت عن محتواها فلم نعرف الخلفية لكل شخصية، حيث لم نعرف السبب وراء كراهية الابن الأكبر لعمله، ولم نعرف ايضا سر ابتعاد الأم عن ابنتها ومظاهر الشقاء التي تظهر على الفتاة دون تفسير ذلك.
ورغم أنه من المسلم به أن الكاتب لابد أن يترك للجمهور فرصة للتخيل والتفكير في الأحداث لكن عمر جمال، مؤلف الفيلم، فقد تفاصيل الشخصية وإن خفف من إحساس الجمهور بذلك اعتماده على كوميديا الحوار وجمال الصورة التي برع لأول مرة فيها أكرم فريد.
فرغم فشل فريد في كل الأعمال التي قدمها من قبل فإنه تمكن من أن يقدم لأول مرة عملا متكاملا من حيث التمثيل والصورة والإضاءة، فهو دائما يعمل مع كبار الفنانين الذين يساعده أداؤهم لكنها كانت مغامرة قوية من شركة الإنتاج أن تعطيه أبطالا للعمل في أولى تجاربهم لينافس بهم في موسم العيد.
خرج الفيلم بالعديد من المكاسب أهمها أنه الفيلم الوحيد في الموسم المناسب للعرض في عيد الفطر الذي مكّن العديد من الأسر من مشاهدته فلم يقدم مشهداً فجاً، ولم تضطر الرقابة لوضع عبارة »للكبار فقط«.
كما تمكن المنتج من إعادة اكتشاف العديد من الفنانين والمخرج أيضا، وكذلك أحمد فؤاد سليم الذي ظُلِم كثيرا على تتر العمل ولم يأخذ ما يستحقه، فهو فنان متميز استطاع أن يؤدي الدور ببراعة شديدة، فجسد دور البلاهة التي يعيشها الأب المصري عندما يعتاد من زوجته الابتعاد عن تربية الأبناء واهتمامه فقط بالعمل وقضاء حياته فيه.
القاهرة - دار الإعلام العربية

