أن تقوم عصابات المافيا بسرقة الأطفال، حديثي الولادة، وبيعهم والتكسب من ورائهم، بغض النظر عما سيحدث لعوائل هؤلاء الأطفال، فلا غرابة في ذلك، لكن أن تقوم بعض المستشفيات الحكومية في تونس بالمتاجرة بهؤلاء الرضع وفلذات الأكباد والادعاء أنهم قد توفوا وتم دفنهم بشكل »قانوني وجماعي« فهذا هو المستغرب في ذاته.

بدأت القصة عندما طرح برنامج »المسامح كريم« الذي يعرض أسبوعيا على قناة »حنبعل« التونسية قضية بدت للوهلة الأولى بأنها حالات فردية وشاذة، إلا أن البرنامج كشف على أن أعدادا مرعبة من هذه القصة.حيث إن بعض المستشفيات الحكومية تقوم بتبليغ الأمهات التي ولدن فيها بأن أبنائهن في حاجة إلى المكوث في المستشفى ليوم أو يومين للمعاينة الطبية، لتفاجأ الأم بعد يومين على الأكثر بخبر وفاة رضيعها، دون أن ترى الجثة، أو تتاح لها فرصة دفن رضيعها، وتبرر المستشفى ذلك بقولها إنه سيتم دفن الرضع بشكل قانوني وجماعي، وبعد سنوات يفاجأ الأهالي بأن أبناءهم على قيد الحياة.

وأن المستشفى تصرف فيهم؛ إما بالبيع أو بالسرقة، واللافت أن هذا البرنامج كشف إلى الآن عن عشرات الحالات، لدرجة أن هذا الموضوع يكاد يكون ظاهرة، ففي كل حلقة من حلقات هذا البرنامج الأسبوعي تظهر قصة مختلفة التفاصيل ومتشابهة في النتيجة.

القصة بدأت حينما توجهت مواطنة تونسية لبرنامج »المسامح كريم« لتضع قضيتها أمام الرأي العام، والتي تتمثل في أنها ولدت تؤمين ذكرين في أحد المستشفيات الحكومية، وبعد أيام قالوا لها إن أحد التوأمين توفي في المستشفى، فرضت بنصيبها، وأخذت ابنها الحي وعادت إلى بيتها وبعد أكثر من 61 عاما كان ابنها يريد أن يستخرج مضمون ولادة له كإجراء طبيعي.

فما كان من موظف البلدية إلا أن إعطاه مضمونا يحمل اسم أخيه المتوفى، وهو الشيء الذي أدخل تلك العائلة في دوامة من البحث والحيرة، حيث إن كل الأوراق الرسمية تثبت أن ولدهم حي يرزق، ولكن ما من سبيل لإيجاده، لا في نبش الملفات المغلقة، ولا في العودة للمستشفى نفسها، الذي خٌطف منه الطفل.

كما فتحت قضية الطفلة سارة التي شغلت الرأي العام التونسي قبل شهرين بعد أن تم اختطافها من مستشفى الأطفال وسط العاصمة تونس وإيجادها بعد أن تضافرت جهود الكثير من الجهات الرسمية وغير الرسمية، حيث تم إيجادها بالفعل آخر شهر أغسطس الماضي، هذه القضية فتحت ملف سرقة الأطفال واختطافهم من المستشفيات وإيهام الأولياء بأن أولادهم قد توفوا، وشجعت الكثير من الأولياء على طرح قضاياهم ومطالبة الجهات المختصة بمساعدتهم.

وآخر هذه القصص المختلطة بدموع أهالي الضحايا عٌرضت قبل أيام، حيث توجهت للبرنامج نفسه امرأة تدعى »محرزية« ولدت ابنها أحمد عام 2891، ولأنه كان مريضا فلقد أمر الطبيب بتركه لأيام معدودة في المستشفى لتفاجأ بعد يومين بالممرضة تخبرها بنبأ وفاة ابنها أحمد، بكت طويلا، وندبت حظها، ولكنها سرعان ما تخطت الأزمة حتى شاهدت حكاية قريبة من حكايتها في البرنامج نفسه.

فتوجهت في اليوم التالي للبلدية لاستخراج مضمون وفاة لابنها لتكتشف أن ابنها ليس له أي مضمون وفاة بل له مضمون ولادة فقط، أي أنه حي يرزق، فتوجهت مسرعة للمستشفى الذي ولدت فيه وبحثت عن الممرضة التي اهتمت بحالة أحمد والتي أخبرتها بالوفاة، إلى أن وجدتها وسألتها إن كان ابنها قد توفي بالفعل، لتكتشف أن الممرضة اسمها أيضا »محرزية« .

وأنها لم تنجب سوى بن واحد أسمته أحمد سنة 2891، فقامت الأم الحقيقية بتوصيل المعلومة إلى ابنها والذي يعيش في الوقت الحالي مع أبيه في دولة قطر، وهي تنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي يعود فيه أحمد لإجراء اختبار الحمض النووي DNA، أمام إنكار الأم المزيفة بأنها اختطفت ذلك الرضيع وربته لسنوات على أنه ابنها.

قصة أخرى بطلها رجل في عقده الرابع يدعى منير الهمامي أٌبلغ بوفاة رضيعته انتصار قبل 21 عاما، ولكن حينما سمع بقصص مشابهة لقصته توجه فورا لاستخراج مضمون وفاة لابنته فصعق عندما وجد أن ابنته لا تزال على قيد الحياة حسب الأوراق الرسمية، فحفيت قدماه من السؤال وطرق كل الأبواب التي قد تقوده لمعلومة حتى إن كانت ستوصله بطرف الخيط، وحتى هذه اللحظة لم يبرز له في الأفق أي شعاع ضوء قد يعيد له الأمل في رؤية ابنته التي ولدت قبل 21 عاما.

أما السيد حسونة الدباش فلقد علم أن ابنه حي يرزق بعد سلسلة من الأحلام التي تراود زوجته وترى فيها ابنها الذي قُيل لهم أنه توفي سنة 1991 أي بعد يومين من ولادته وهو يقول لها »أمي أنا حي« وبعد إلحاحها الشديد على زوجها لاستخراج مضمون ولادة لابنها توجه الأب بالفعل لأقرب دائرة بلدية ليجد أن حلم زوجته كان صحيحا وبدأت رحلة البحث التي لم تنتهِ إلى كتابة هذه السطور.

طبعا كل ذلك وإدارة تلك المستشفيات المتهمة بسرقة وخطف الأطفال الرضع لم تحرك ساكنا وترفض أي لقاءات صحفية أو تقارير أو أي معلومة قد تسهل العمل الصحفي، وفي انتظار خطوة إيجابية لتوفير الحماية للرضع والمساهمة في البحث عن المواليد الذين تمت سرقتهم، نتمنى لأهالي الضحايا أن يجدوا أبناءهم قريبا.

تونس ـ ضحى السعفي