العطّار هو بائع الأعشاب البلدية والزيوت المركبة. يركب الخلطات بنفسه، يعتمد على الكتب الطبية، وآراء »الأقدمين« المسجلة في دواوين يعود تاريخها لقرون وقرون مثل »ابن سينا«، »ابن البيطار«، »أبو داوود الأنطاكي«.

عند دخولك إلى حانوته، تجد على الرفوف أكياسا صغيرة، مملوءة بالأعشاب النضرة، والحبوب المتنوعة، مثل الحبة السوداء، القرنفل، اللوز، البهر الاسو د، القرفة، وزهور ذات رائحة ونفع لا يضاهيها شيء يصنع منها أدوية الصحة والجمال المطلوبة هذه الايام. حانوته، الذي ملأته الأكياس الصغيرة والعلب المتنوعة، يصطف عند عتبته دور طويل من الزبائن الذين يقفون بانتظار طلباتهم المختلفة بعضها عن بعض. مئات الأنواع التي لا تجدها الا في دكان »العطار عزّام« (مصطفى) في مدينة صيدا في جنوب لبنان. ويتبادر الى ذهنك، كما الى أذهان الزبائن دوما، كيف يعرف الحاج عزام هذه الأنواع المتنوعة والكثيرة،: »بحكم العادة والخبرة الطويلة، نتعلم كل شيء، لكننا، مع ذلك، ننسى أمور عدة«.

يقول عزام: ورثت هذه المهنة أباً عن جد. ويضيف من حانوته في السوق القديمة او (الزواريب كما تسمى باللهجة الصيداوية المحلية): »والدي هو محمد خير الدين عزام الذي ورث المهنة عن ابوه عبد الحليم عمر عزام الذي كان يمتلك ازدخانا (صيدلية باللفظ المحلية المستمد من التركية) منذ العام 2191 في بيروت، لكون العطار هو صيدلي بسبب وصفه واستعماله للأعشاب الطبيعية التي يجمعها بنفسه من المناطق اللبنانية، وايضا تستورد بعضها من سورية والهند.

ويضيف: آل عزام من أوائل العطّارين تاريخ محلنا في صيدا الذي يحمل الاسم ذاته »عزام « يعود الى العام 2591. ويعود تاريخ الأسواق القديمة في صيدا، مثل كل الأسواق الواقعة في بلاد الشام، إلى قرون ماضية.

كان والدي دائماً يقول يجب أن نفرق بين العطّار والعطارة، العطارة هم من ينتجون »العطر«، يحضرونه أو يستوردونه من بلدان عديدة، أما العطّار فهو الذي يستخدم علمه لفائدة الناس ويعتمد على »الطب الشعبي« الأصيل الذي يتخذ من المصادر الطبية للعلماءالعرب أساساً له، فهو يأتي »بالعشبة« ويعرف أنها جيدة أو لا يقارنها بدليل الأعشاب الذي يحتوي على اسم »العشبة« .

زبائن عزام اليوم هم من مختلف المناطق اللبنانية ، يروي عزام بان الوقت الحالي هو زمن للتنحيف، لذا يقصده الناس وخاصة النساء من كل المناطق من اجل شراء العشاب الخاصة بالتنحيف »لكل فصل موسمه الخاص من الاعشاب المطلوبة«. في الشتاء يتم الطلب على عشبة عزام الخاصة بالرشح والزكام. ويشتهر عزام بين عامة الناس فكل شيء يمكن ان تجده في حانوته ،ترى كل ما يحتاجه الإنسان من إعشاب ،حبوب، معطرات ،وما يحتاجه للحيوان وللأرض والثمار .

ومحمد عزام ، كما فعل معه والده، يتوجه اليوم نحو تدريب إحدى أبنائه من اجل تسليمه المهنة في المستقبل لأنها »مهنة مطلوبة في كل الأزمان والعصور، ولا تبطل مع مرور الأيام تأكد وتثبت للجميع بأنها لاتزال حية« .

وعن عمل العطّار هذه الأيام يقول: نحن حتى هذا الوقت نستخدم الطريقة التقليدية مع توسع وزيادة الطلب على هذه الأعشاب من الكثيرين، الذين يحبذون اعتماد الطبيعة ومنتجاتها الخاصة ،وخاصة الذين تعبوا من استخدام الكيماويات وأدويتها، ولا نزال حتى الآن نكتشف أعشاباً جديدة ذات فوائد كبيرة للبشر في استخدامها، و تجارة الأعشاب أصبحت عالمية.

وهناك بلدان تصدر لنا وتستورد منا في هذا المجال، أما سوقنا المحلية في »صيدا« فتعتمد على منتجات القرى التي تقع في شرقها وشمالها، إضافة لبيعنا »الكحل العربي، والصبغة العربية« الأصلية التي تسمى »بالحناء«.

وحالياً تباع أصناف العطور التقليدية والحديثة. يختم عزام حديثه قائلاً: قد تأخذ النباتات وأدوية الأعشاب زمناً أطول مما تستلزمه الأدوية »الكيماوية« المستخدمة حاليا ، لكن فيها يبقى ضمان وعدم خطورة على الصحة والحياة.

وهنا تبرز خبرة »العطّار«، لما يصنعه ويركبه، لأن الخطأ وعدم التجربة ينجم عنه أذية الآخرين، وبالنسبة لمهنتنا هي »مهنة العمر« أخذتها عن أجدادي وأنقلها إلى أولادي.

العطار هو الصيدلي والطبيب المداوي الذي كان يداوي الناس من خلال استعماله للعشبة البرية والذي يقوم بتركيبة خلطة طبية يصفها للمريض ،هو الذي كان يعرف بالطبيب أيامه ، ويحض العطار بأهمية واحترام كبير وسط الجميع ،حتى الدراما العربية لم تستطع الابتعاد عن شخصية العطار نظرا لأهميتها ، والتي تجسدت في المسلسل الدرامي السوري »باب الحارة «في شخصية الحكيم أبو عصام » الممثل القدير عباس النوري«.

عند الخروج مددنا اليد للوداع رفض العطار مد يده معتذرا بأن يداه وسخة من بعض الأدوية ، فرد التحية من خلال الرأس، محيياً ومرحباً بعملنا .

خالد العزي ـ صيدا (جنوب لبنان)