لم تشك الألمانية بيرجيته لوكس لحظة واحدة منذ بلوغها منتصف عمرها في أنها لا تريد أن يتقدم سنها في ألمانيا. وقالت لوكس التي تتمتع بلياقة جسمانية عالية بما يتناسب مع عمرها الذي بلغت منه الستين إنها كانت تحلم منذ أن كانت في السابعة والعشرين من عمرها بطقس دافئ وبالغوص في مياه البحر الذي يقع أمام منزلها الذي له حديقة كبيرة بها مكان واسع للحيوانات الأليفة، أصبح للسيدة لوكس كل ذلك في جزيرة بانجالاو الصغيرة بالقرب من مدينة سيبو في الفلبين.
وعن ذلك تقول لوكس:«لم أندم يوما واحدا على هذا القرار حتى الآن».
أما بالنسبة للألماني بيتر فلايشمان البالغ من العمر 94 عاما من مدينة بامبيرج فقد بدأ الحلم بقضاء الثلث الأخير من حياته بشكل غير طوعي، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، وعن ذلك يقول وهو يتكئ على منضدة في مقهى بجزيرة بانجلاو: «كنت أقول دائما: سيكون العام الخمسون من عمري هو نهاية الكد والنصب، ولابد أن أبدأ في الاستفادة من الحياة مع حلول العام الخمسين من عمري».
كان فلايشمان يمتلك شركة شحن في ألمانيا، ولكن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أرغمت أنف قطاع الشحن في ألمانيا، وعن ذلك يقول فلايشمان:«لم نعد قادرين على كسب أي أموال منذ الأزمة.. لذا أدركت أنه لا سبيل إلا الهرب».
جاء فلايشمان لهذه الجزيرة مع بداية هذا العام، ثم تبعته زوجته بعد ذلك بعدة أشهر. علق الزوجان لافتة كبيرة في إحدى غرف المنزل مكتوب عليها: «لا تحلم بحياتك، ولكن عش حلمك»
أما ميشائيل فايرابند من مدينة بيرماسينس الألمانية فقد شاهد وهو في سن السادسة عشرة مراسم زواج الملكة سيركيت في تايلاند، «ومنذ ذلك الحين أصبحت منبهرا بنموذج المرأة الآسيوية»، كما يقول.
باع فايرابند الذي يبلغ من العمر الآن 56 عاما شركته المتخصصة في تطوير البرامج الحاسوبية في ميونيخ وانتقل عام 5991 لمدينة سيبو، حيث عثر على زوجة أحلامه، فهل يتمتع بحياته؟ الإجابة هي:«نعم، بلا أي قيد على الإطلاق».
يعرف القنصل الألماني في سيبو، فرانس زايدنشفارتس، 005 من الألمان الذين يقيمون في المنطقة بشكل دائم. وحيث إن تسجيل أسماء الأجانب لدى السلطات المعنية يحدث بشكل طوعي، فإنه من المرجح أن يكون العدد الحقيقي للألمان في هذه المنطقة أكبر بكثير مما هو معلن.
أصبحت بعض الأماكن معروفة بطابعها الألماني. يقدم السيد فايرابند في منطقة ألكوي التي تبعد نحو 09 كيلومترا عن جنوب مدينة سيبو مساعدة لزبائنه في بناء المنازل، وقد قام بهذه الطريقة بتوطين العديد من الألمان في مدينة ألكوي. ويشهد عمل فايرانبد رواجا كبيرا.
الكثير من الأمور سهلة وبسيطة في الفلبين، وكل شيء منخفض الثمن.
تكلفت الفيلا التي اشتراها فلايشمان 04 ألف يورو، ويقدر هو ثمنها في ألمانيا بعشرة أمثال هذا المبلغ. أما لوكس فتدفع ما يعادل 063 يورو شهريا إيجارا لمنزلها الساحلي، وعن ظروف الحياة هناك تقول لوكس: «إذا كان دخلك الشهري ألف يورو فإنك لا تحتاج للتقشف هنا».
كما أن كلا من السيدة ليندا والسيد هانز ماير يريان أن أقل من هذا المبلغ يكفي أيضا للعيش برخاء في الفلبين حيث لا يزيد ما ينفقانه شهريا على 006 إلى 007 يورو
جلس الزوجان هانز و ليندا في شرفة منزلهما الذي لا يبعد عشرة أمتار عن البحر. عاشا من قبل في جزيرة مايوركا وأرادا قضاء بقية عمرهما هناك، ولكن الأسعار هناك لا تطاق حيث يطلب عامل الحديقة على سبيل المثال 42 يورو عن كل ساعة عمل حسبما يؤكد هانز ماير.
جاء الزوجان ماير لمدينة سيبو وكانا مبهورين بها، وعن ذلك يقول هانز: «لاحظنا هنا كيف يمكن العيش بشكل طيب وبسعر منخفض».
ويؤكد فايرابند أن العيش يحلو هنا لكل من يحصل على راتب تقاعدي أو أي راتب آخر منتظم من ألمانيا، مضيفا: «ولكن من غير الصحيح أن أي شيء هنا بلا ثمن».
فايرانبد: «يجب ألا يعشم المرء نفسه بتوفير مصدر رزق له هنا، لا يمكن ذلك إلا لمن يمتلك رأس مال كبيراً يستثمره في المشاريع الضرورية للمنطقة».
استخدم الزوجان فلايشمان مدخراتهما في بناء تجمع سكني عبارة عن منازل ساحلية، ويعتزمان الاعتماد على ما يحصلان عليه من إيجار في تدبير حياتهما.
ويسعى فلايشمان من خلال ذلك إلى تأمين حياته بحيث لا يعتمد على أحد مالياً، وحتى «أستطيع أن أملي شروطي وأقول لمن حولي : افعلوا هذا ولا تفعلوا ذاك»، كما يقول.
استقر النمساوي هانو فيندر من مدينة دورنبيرن في المنطقة القريبة من عائلة فايرابند. كان فيندر مستشارا في تكنولوجيا المعلومات، وكان يعمل في مشروع كبير تعثر العام الماضي فجأة.
وكانت هذه اللحظة تعني بالنسبة لفيندر البالغ من العمر 55 عاما الإقدام على قفزة في الحياة بشكل تلقائي، وعن ذلك يقول: «كنت أتنقل كثيرا، ولم تكن تربطني علاقات وثيقة بمنزلي».
طلب فيندر الحصول على مكافأة التقاعد، واستثمر عدة آلاف منها الآن في إنشاء حاوية صغيرة لتنقية مياه الشرب.
وعن الحياة في إحدى جزر الفلبين يقول فيندر: «يمكن للمرء العيش بماله هنا بشكل أفضل بكثير عن أوروبا، كما أنه يتخلص من ضغوط الوظيفة ويعيش في مناخ أفضل.. لدينا ضيوف الآن من النمسا يرون فيلتنا ذات المسبح وكأنها مصيف بذاته».
أما هانز رودت (46 عاما) من مدينة فالدسهوت الألمانية والذي عمل خبيرا في التنمية عدة سنوات في نيجيريا فلم ترق له الحياة في ألمانيا بعد ذلك، يقول: «لم يكن لدى أحد وقت فائض، كان لابد من ترتيب مواعيد لرؤية الأصدقاء، تملكتني رغبة ملحة في الحرية وأردت الهجرة»
وعندما توفيت زوجته قبل 51 عاما لم يعد هناك ما يمنعه عن تحقيق هذه الرغبة. تزوج من جديد في ألكوي وأنجب طفلين أحدهما في التاسعة والآخر في الحادية عشرة «وليس هناك ما يجذبني لألمانية مرة أخرى».
تمتلك بريجيته لوكس بيتا ساحليا واسعا به أشجار نخيل وأشجار مدارية ومساحة لزراعة الخضروات مثل الطماطم والسبانخ وتعيش مع كلباتها ساني و فيبس وقطتين وقطها باولشن «وهو الرجل الوحيد في المنزل».
لوكس: «هذه أمور في متناول اليد هنا.. لدي بستاني يعمل في حديقة المنزل ولدي خادمة، ولم تعد هناك حاجة للتنظيف منذ وقت طويل»، قالت ذلك وقد غلبها الضحك الذي انتقلت عدواه للمستمعين.
تتنقل لوكس بسيارتها سوزوكي الصغيرة بين شوارع وطرق لا تحكمها أية قواعد مرورية إذا ما قورنت بألمانيا، ولا تكاد تكف عن إطلاق بوق السيارة كما يفعل الآخرون، وعن ذلك تقول: «عندما أسير بسيارتي في ألمانيا يبادر أصدقائي بالقول: نرجو ألا تستخدمي بوق السيارة»، قالت ذلك وهي تضغط على البوق بشكل دائم.
تلقت لوكس لدى انتقالها للعيش بشكل دائم في الفلبين نصيحة من منظمة أسسها زملاؤها الغربيون القادمون من الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، وهي منظمة «أي سي سي ار اتش سي» في مانيلا والتي تساعد الفلبين أيضا في تأهيل المهاجرين المتقدمين في السن للعيش في الفلبين من خلال تهيئة الضروريات الأساسية لعيشهم، وتقدم اقتراحات لهؤلاء المهاجرين في ما يتعلق بشركات التأمين والحصول على الإقامة وغير ذلك.
لا تستطيع لوكس الآن تحمل البقاء في ألمانيا أكثر من ثلاثة أسابيع، حسبما تقول، ثم يطاردها الشعور بالغربة نحو جزيرة بانجلاو.
عملت لوكس (83 عاما) في شؤون الموظفين في شركة واحدة. لم تكن تستطيع ممارسة هواية الغطس المولعة بها إلا عند قضاء عطلتها. لذا فقد كان من الواضح لها ضرورة أن يكون مقر إقامتها في فترة التقاعد على البحر
يتكون يومها من القراءة وتدريب الكلاب والطبخ وزيارة الأصدقاء والتحليق بروحها في أرجاء الفكر، حسبما تقول بهدوء أثناء العشاء الذي تكون من سمكة كبيرة اصطادتها بنفسها.
هناك نقطة واحدة تدفع المهاجرين الألمان للتوقف عندها والتفكير فيها بعمق؛ ألا وهي مسألة العلاقات الاجتماعية، حيث تفتقد مارجيت فلايشمان على سبيل المثال أصدقاءها ومعارفها في ألمانيا. وهناك صعوبة في مهاتفتهم بشكل منتظم بسبب الاختلاف الكبير في التوقيت بين البلدين؛ لأن وقت عودة الأصدقاء والأحباب في ألمانيا من العمل يوافق بعد منتصف الليل في بانجلاو.
وتجد لوكس صعوبة في تكوين دائرة معارف جيدة، وعن ذلك تقول: «كنت أظن الأمر أفضل من ذلك».
أما فايرابند فليس له إلا صديق واحد، وربما اثنان، يقول: «لي معايير مرتفعة في اختيار الأصدقاء».
وكثيرا ما يكون حاجز اللغة من جانب الطرفين سبب فشل محادثة عميقة مع الشريكة الفلبينية.
أما فايرابند فليست لديه مشكلة في هذا الجانب، وعن ذلك يقول بصراحة: «أنا سلطوي بعض الشيء، لا أريد أن أبرر ما أفعله دائماً، لا يسير شيء هنا بتحرر النساء، هذا أمر يعجبني».
(الفلبين) (د ب أ) - «الحواس الخمس»
