في الفترة الماضية، اجتذبت الضاحية الجنوبية لبيروت الإدارية وحدها 140عائلات من عائلات الزواج المختلط، وهذا رقم ليس ضئيلا أيضا، خصوصا إذا أخذنا في الحسبان أن هذه المنطقة تأتي في المرتبة الثالثة في ظاهرة الزواج المختلط من النساء الروسيات.هذا الإحصاء الذي أجراه مركز «الترويكا للدراسات» كان مفاجئا، اذ لم يكن احد يتصور قبله كم هو العدد الفعلي لهذه العائلات، على حسب قول، اسكندر منصور الكفوري، مدير المركز الذي يقول إن 2409 هو عدد العائلات المنتشرة في كل لبنان، وتأتي منطقة الضاحية بالمركز الثالث بعد الجنوب والشمال.

هذا الرقم يبقى تقريبيا بعض الشيء، مع ذلك، إذ لا يمكن تحديد الرقم بدقة، لان بعض تلك العائلات ليس مسجلا في السفارات المعنية، كما تقول لينا اسعد، السيدة الأوكرانية المتزوجة من لبناني، لان السبب بسيط: «ما لهن خلاق»، (وهو تعبير لبناني يعني الاهمال والتكاسل)، على حسب قولها.

الروس والتأقلم مع عادات الضاحية

ليس مهما ان يكون الرقم دقيقا، بل المهم انه ليس رقما صغيرا في ضاحية بيروت الجنوبية التي تختبر الاختلاط حديثا، وهي التي يصعب عليها في حالات معينة تقبل هذا، ومع ذلك لم يعد وجود هذه الفئة محصورا بقصة مكان لجأوا إليه. لقد أصبح اسمه مجتمع المتكلمين باللغة الروسية، وهم يقدرون على إعطاء البيئة المحلية بقدر ما اخذوا منها، كما يأخذون من المجتمع الذي حلوا فيه على حين غفلة. فقد نقلوا إليه شيئا من العادات والتقاليد الدارجة أصلا في بلادهم الأم.

لكن، هذا الاندماج لن يجعلهم يتقبلون «المساوئ» على الرغم من السنين التي قضوها هنا. ثمة حدود للكذب، للتحايل، للحزن، وهو ما «لا يعرفه اللبناني»، تقول طبيبة الاسنان الروسية د.لودميلا شريم، «قد يكون المجتمع الروسي قد ذاب داخل مجتمع الضاحية، لكن ثمة ما لا يذوب، وهي تلك الأنواع من المشاعر التي، وان تعود البعض عليها، لم يتقبلها البعض الآخر، وان بات لبنان هو الوطن البديل عن البلد السابق الذي اسمه الاتحاد السوفييتي.

تحديات التكيّف

لم تحسب لودميلا شريم، الشابة الروسية، يوما بأنها سوف تحمل كنية شريم وتصبح «كنة» في لبنان وتعيش في ضاحية بيروت الجنوبية، وتعاني تحديات السكن واللغة في آن معا، لكونها حلت ضيفة دائما على هذه المنطقة والعائلة وبدأت بترتيب حياتها من جديد في وسط بيئة تختلف كليا عن البيئة والحياة التي عاشت وتربت فيها. لودا لم تكن تتقن لغة الإشارة، او لغة بديلة عن الروسية. كان من الصعب عليها تعلم اللغة العربية ونطق بعض حروفها، «فلو لم يساعدني زوجي لكنت تركت كل شيء ورحلت»، وهي تشدد على مساعدة الزوج مشيرة إلى أن أكثر 03% من الروسيات ينفصلن عن أزواجهن بسبب لا مبالاتهم. وتضيف بعربية مكسرة تخالطها اللكنة الروسية: «اذا رجال ما بتساعد لمرأة اجنبية، أكيد بدها ترجع، انتو جبتهو لهون بدكم تساعدو». لكن اليوم مر وقت طويل على هذا الأمر، وباتت تجيد العربية كما الروسية التي نقلتها الى طفليها علي ودانيال. اليوم تعتبر لودميلا شريم أنها حققت انجازين: اللغة والاستقلالية في بيت وعمل في عيادة خاصة، فأضحت الحياة أفضل بكثير من السابق.

من جهة أخرى، لا تزال الزوجة الروسية غير متأقلمة مع العديد من العادات التي ينتهجها اللبنانيون في حياتهم وتصرفاتهم. لكن المعاناة لا تنتهي هنا وتبدأ من الأرصفة والحدائق العامة التي تغيب في الضاحية مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم وليس فقط بروسيا.

الحب اقوى من الحرب

لينا اسعد التي اتخذت القرار النهائي بالبقاء في لبنان. فهناك في روسيا ما عاد الكثير يجذبها للعودة، إلا الوالد والأشقاء. هكذا قررت اسعد، السيدة الأوكرانية زوجة المهندس اللبناني، البقاء في لبنان الى جانب زوجها وأولادها. لقد أتت إلى لبنان بعد انتهاء الحرب الطويلة عام 2991 لتعيش في منطقة الشياح التي ترفع عنها غبار الحرب التي استمرت 51 عاما. دمار وخراب في كل مكان، ولكنها ارتضت أن تبقى وعاشت مع أهل زوجها كباقي الروسيات القادمات للعيش في لبنان، وتحديدا بين منطقتي الشياح ومنطقة الجاموس، قاصدة المنطقة الشرقية من بيروت بحثا عن حديقة للتنزه في الحديقة. تقول: «اليوم يختلف الوضع وقلت المعاناة التي عشناها في السابق. اليوم الضاحية تطورت إلى الأفضل، الحدائق والملاعب والقهاوي، وكل شيء حديث أصبح موجودا في الضاحية».

السر في لبنان

السر في لبنان لا يشبه السر في روسيا. بوسعنا هنا أن نضرب مثالا معبرا: «خبر الحمل». فكم من العائلات ستعرف بخبر امرأة حامل في لبنان. الاجابة: العائلة الصغيرة والأكبر والأكبر حتى القرية بكاملها... «وربما السرفيس (سائق التاكسي) والناطور (حارس المبنى). السر في لبنان مشاع أو ابن 42 ساعة، كما يقال. وهذا مخالف تماما، على سبيل المثال، لما هو الأمر في روسيا، حين يتعلق الموضوع بالأسرار والمواعيد والزيارات. ففي روسيا الحبيب لا ينتظر حبيبته أكثر من 7 دقائق «فالوقت من ذهب، ونحنا نعرف قيمة الوقت، عكس لبنان الذي يعتبر كل شيء غدا.. غدا» (في اشارة الى التأجيل).

نموذج آخر. السيدة سمور اختارت البقاء في البيت لأجل أولادها الثلاثة عكس باقي الروسيات اللواتي لا يتحملن «عيشة ربات المنازل»، ورفضت العمل في مهنتها الأساسية مفضلة خدمة الأولاد والزوج على الذهاب الى حقل العمل الذي يلهيها عن واجباتها البيتية والزوجية»، لقد ضحت بكل شيء، من اجل الأولاد بقيت في البيت أجادت العربية بسهولة والعادات اللبنانية والطبخ وتحضير الوجبات اللبنانية المميزة.

أما نتاليا بعلبكي، فهي تعيش مع عائلتها في ضاحية بيروت الشمالية في منطقة غاليري سمعان، وهي طبيبة وزوجة طبيب يعملان معا وتختلف حياتها عن الأخريات لجهة العيش والتأقلم في الحياة اللبنانية «وحياة الضاحية البيروتية». تقول بعلبكي إنها من طبقة اجتماعية مثقفة جدا، ولذلك تهتم كثيرا بان يكون أصدقاؤها من ذات الطبقة، يفكرون ويتصرفون ويعيشون مثلها. فهي تهتم برفاهية وثقافة أطفالها، مثلا ابنها يعزف على الغيتار وابنتها على البيانو وهي تعزف على البيانو عصر كل يوم ، ففي العطل تتنوع نشاطات العائلة بين مسرح وسهر في مطعم والسفر وفي بعض الأحيان إلى روسيا. وتقول بعلبكي إن صداقتها محصورة في الروسيات واللبنانيات للعمل فقط.

عذاب وقهر

أما جانا اسعد فلم يعد يربطها بلبنان إلا أطفالها، لان زوجها بعد 20 عاما من العيش المشترك قرر طردها من البيت الزوجي بسبب اعتراضها على زوج طفلتها البالغة من العمر 13 عاما الذي قرر والدها تزويجها الى رجل ثري جدا.

رميت الزوجة في الخارج «لا مطلقة ولا معلقة» لأنها رفضت المال، فكان عقابها من زوجها بعد سنين من المعايشة الزوجية التي دامت 20 عاما أن يعرض عليها الطلاق، مع الرحيل دون عودة وهي اليوم تندب حظها وتقول «الأولاد كيف اتركهم». لقد عادت جانا الى كنيتها الأساسية بروتونا، لتعيش اليوم وحيدة في منطقة الحدث وتعمل في مصنع للخياطة وهي مهنتها الأساسية التي عملت بها طوال حياتها، في منطقة في تلة الخيط لتعمل من اجل أولادها، وهي تعد الأيام من اجل أن تراهم 3 ساعات في الاسبوع في بيت عمهم.

تقول جانا لقد تغير زوجي منذ عودتنا إلى الى لبنان، وأصبح قاسيا ويتعامل معي بقسوة ومنعني من العمل «اذ لا يوجد في مجتمعنا نساء تعمل»، واضطررت الى أن أعمل بالنتيجة في البيت، وممارسة مهنتي التي أحببتها في البيت، لكن الذي صبرني ويصبرني على تحمل هذا العذاب والجحيم والذي يمنعني من العودة إلى وطني هم أولادي لذلك أضحي وانتظر لأجلهم. تروي لنا جانا عن الفروقات الثقافية بين المجتمعين اللبناني والروسي: «عندما كنت أمارس رياضة اليوغا اتهموني بالبوذية، وعلى هذا الأساس طلقت وحرمت من أولادي وحقوقي، بتهمة أن من يتبع البوذية لا حق له». تركت جانا منطقة البقاع وأتت إلى الضاحية الجنوبية، لكي تنتظر كالسجين المحكوم بالمؤبد اولادها: «لقد انتهت 20 سنة وبقيت 15 سنة». وهي ليست الأخيرة والكثيرات غيرها يمارسن الانتظار بسب أزواجهن.

يقول مسلم شعيتو الباحث في مركز «الترويكا» إن 30% من المطلقات هن من الجيل الرابع لان كل 10 سنوات يأتي جيل ويوجد في لبنان 50 امرأة مطلقة في الضاحية الجنوبية، حسب إحصائيات المركز، ولكن ما هو السبب الذي يجعل هذا العدد يرتفع. الإجابة التلقائية تعود بالأصل إلى تغير الزوج في تعامله وتركيبة شخصيته!

بيروت - خالد العزي