ترتعش الأقدام وتتسارع النبضات ولا تزال مساحة الأرض المسطحة التي يتطلع المرء بشوق إلى رؤيتها بعيدة عن العيان.

والآن أصبح التقدم في السير صعبا وهذا ما كنا على علم به بشكل مسبق، فقد حذرنا من حدوث ذلك هيرالد عندما كنا نقوم بتأجير الدراجات منه ، وقال لنا مرشد الرحلات بالدراجات إن تمضية عطلة على الساحل الغربي من مايوركا ليست للشخص غير المدرب.

ومن ناحية أخرى فإن أي شخص يتمتع باللياقة البدنية إلى حد ما يمكنه أن يقوم برحلة بعيدا عن نطاق السياحة الجماعية لاستكشاف المناظر الطبيعية الرائعة بالخلجان والقرى الجميلة والمناظر البانورامية مثل تلك التي تراها مطبوعة على البطاقات البريدية. ونقطة البداية من جولتنا التي تستغرق خمسة أيام هي سانتا بونكا التي تقع غربي مدينة بالما ، وتنساب الرمال الناعمة في الخليج من بين أصابع اليد التي تمسكه كما أن مياه البحر المتوسط في هذه المنطقة دافئة بشكل كاف لتشجع على السباحة خلال الفترة من منتصف مايو حتى الخريف ، وتصطف وراءنا مجموعة من الفنادق العالية التي تشبه الصناديق الخرسانية والتي تلقى إعجابا من جانب السياح الإنجليز والألمان.

وفي اليوم الثاني نأخذ دراجاتنا من متجر تأجير الدراجات في وسط سانتا بونكا، وقبل أن نعتلي دراجاتنا المخصصة للسير فوق الجبال ونشرع في الانطلاق يوقفنا هيرالد مرشدنا السياحي ليلقننا بعض عبارات التحذير.

ويحذرنا هيرالد قائلا إن سياحة التجول بالجبال على الدراجة لا تزال تحبو هنا في مايوركا، ولا توجد ممرات بها علامات إرشادية كاملة إلا نادرا، كما أن الطرق وعرة ولا يوجد تصنيف شامل لصعوبة السير بالمنطقة.

وبعد هذه التوعية بالرحلة قررنا اتخاذ طريق أكثر سهولة وهو الطريق المنحني على طول الساحل الغربي.

وكان ميناء أندراتكس هو المقصد في أول أيام الجولة، وفي الطريق إلى هناك شاهدنا أحد أبراج المراقبة بالقلاع الشهيرة التي تتناثر على طول الساحل والتي كانت وظيفتها في الماضي الحراسة ضد القراصنة.

وثمة بلدة أخرى تعد مقصدا للسياحة الجماعية وهي فيا بيجيورا، ويؤدي الطريق بعد ذلك إلى كيب أندريتكسول ، ونواصل رحلتنا بالدراجات عبر مساحات من المراعي والغابات والنباتات المورقة التي تزين جانبي الطريق بين كالا فورنيلز وكامب دي مار.

ومع تقدمنا في السير يزداد الطريق وعورة كل كيلومتر، وكان ينبغي علينا أن نستجيب لنصيحة الرجل العجوز الذي قابلناه قبل ذلك على الطريق الذي صاح بنا محذرا من محاولة التقدم بالدراجات على الطريق.

وبعد نصف الساعة توقفنا عند خليج صغير لالتقاط الأنفاس، وهنا كان نسيم البحر دافئا بينما كانت قطع الحصى متناهية الصغر تداعب أقدامنا، وشعرنا بأن مذاق شطائر الجبن والزيتون كان رائعا بشكل لم يسبق له مثيل.

ولا تزال أمامنا خمسة كيلومترات لكي نصل إلى ميناء أندراتكس، ويلتف الطريق عبر غابات الصنوبر، وتغطي الصخور خليج الميناء الذي يستقطع مساحة واسعة من الأرض.

وهنا نجد الأثرياء يقضون عطلاتهم فنرى الزوارق الشراعية واليخوت الفاخرة واقفة في المرسى بالميناء بينما تتسابق السيارات الرياضية الفارهة على طول الممشى الملاصق للشاطئ.

وتستحق قرية سان إيلم التي تبعد عن الميناء بمسافة خمسة كيلومترات زيارة جانبية، وهذه القرية النائمة الواقعة على الطرف الغربي لمايوركا تتيح مشاهد واضحة لسا دراجونيرا أي جزيرة التنين.

ولا يحتاج المرء لأن يكون في حالة حب أو يكون من النوع الرومانسي ليقع في حالة من أحلام اليقظة بينما يراقب الشمس الغارقة في اللون الأحمر وهي تختفي تدريجيا داخل مياه البحر.

وتمتد المسافة التي سنقطعها في اليوم التالي إلى ثلاثين كيلومترا، ويتطلب قطعها العمل بمشقة للتغلب على كثير من الأمتار التي ينبغي تسلقها حتى الوصول إلى بانيالبوفار.

ويعدنا مدير الفندق بأن الأجزاء الأجمل من الطريق الساحلي تقع أمامنا مما يغرينا بالعودة إلى ظهور الدراجات في اليوم الرابع من رحلتنا.

وكان علينا أن نواصل المسيرة إلى الداخل لمسافة 53 كيلومترا إلى مقصدنا التالي وهو مدينة سولير عبر طريق تتناوب فيه المنحدرات مع المساحات المسطحة ثم يلتف بانحناء على طول الساحل عبر أشجار الزيتون والخلجان الصخرية

سانتا بونكا (مايوركا) (د ب أ) - الحواس الخمس