ربما لا يستطيع المشاهد وسط لقطات العنف والمطاردة والطريقة المسطحة في بناء الشخصيات وغموض بعض الأحداث والعلاقات، أن يكتشف الثغرات الفنية والفكرية التي أدت إلي الإحساس بأن هذا الفيلم غير مكتمل، فهل وقع سلفستر ستالوني في الفخ الذي يقع فيه عادة من يمثل ويكتب السيناريو ويخرج لنفسه؟.
إن فيلم «ذا إيكسبيندابلز ـ The Expendables» الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية وترجمته التجارية المرتزقة يؤكد هذا، فمن ناحية السيناريو يبدو التركيز المبالغ فيه واضحا على شخصية (بارني روس) التي يؤديها وأخلاقياته ودماثته في علاقاته بأصدقائه وبـ(ساندرا) أبنه الجنرال التي من أجلها يقرر العودة إلي جزيرة فيلينا لإنقاذها وتحريرها من بطش الأشرار دون وجود خلفية مقنعة أو دافع قوي لذلك، ورغم محاولات العمل لرسم ملامح واضحة ومقنعة لبقية أبطال الفيلم لكن نشعر في بعضها بأنها مجرد أشباح باهته، تستمد وجودها الهش من خلال إحساس «بارني» بها، وليس لها وجود مستقل أو واضح وباستثناء شخصية غانار الخائن التي يؤديها دولف لندجرينم.
وشخصية صاحب مركز أوشام تول ميكي رورك، أو حتى صديقه المخلص كريسمس جيمس ستاتهام، فالجميع مجرد سنيدة أو ديكورات بشرية تبرز بطولة سلفستر ـ أقصد بارني ـ بما تنطوي عليه من نبل وأخلاق ورجولة وإصرار وقوة وخصال ترتفع به من مستوى البشر إلى مستوى السوبر الذي لا يقهر، وهي ثمة أفلام ستالوني بدءا من أول أعماله في سلسلة روكي ومرورا بـ « رامبو».
معايير العضلات
ومن ناحية الإخراج، نلمس اندفاعا محموما لتصوير وابل أو طوفان من اللقطات والمشاهد التي يصاحبها إطلاق رصاص كثيف والتحام بالسلاح الأبيض وتبادل اللكمات وما يرافقها من حركات القفز والمطاردة اللاهثة وسرعة التسلق والتواري أثناء إطلاق النيران، وكأنها تأكيد من قبل سلفستر بأن أبطال أفلام الحركة الحقيقيين لا يعتمدون على حيل الكمبيوتر للظهور في صورة أبطال خارقين، لكنهم يعتمدون فقط على عضلاتهم، خصوصا أن نجم هوليوود الشهير أعرب عن عدم إعجابه بالجيل الجديد لأبطال أفلام الحركة.
متهما إياهم بالاعتماد على حيل الكمبيوتر بدلا من «العضلات الحقيقية»، وليس هذا عيبا في حد ذاته ولكن عندما تحتل مشاهد القتال المساحة الأكبر من الأحداث ويصبح صنعها مرتبطا بفنون (جيت لي) في الكونغ فو أو براعة ستيف أوستن في المصارعة، أو شراسة دولف لندجرين في المطاردة، بخلاف سلفستر ستالوني نفسه ومقدرته الفائقة من خلال عضلاته على مواجهة جيش من الجنود المدربين وتدميرهم تماما، تكون النتيجة الحتمية فيلم حركة استعراضي لا يضيف جديدا أو يعمق نقطة ما أو يبرز أي دلاله، وكأن ستالوني في فيلمه (المرتزقة) يقدم مرثية إلى هذا النوع من الأفلام التي سادت حقبة الثمانينات .
وجزء من التسعينات معتمدة على بنية الممثل وطاقاته الجسمانية، بعيدا عن صنوف أفلام المغامرة وهي تستمد هالتها عبر توظيف وسائل الكمبيوتر الحديثة أو إبداعات التكنولوجيا دون حساب لأحاسيس إنسانية وذائقة بشرية، هذا طبعا بالإضافة إلي الحكاية القديمة والمكررة والتي شاهدناها في عشرات الأفلام الأميركية وآخرها فيلم ليام نيسون «الفرقة أ» الذي قدمته صالات السينما بالإمارات مطلع يوليو الماضي، ولكن لا يهم فهي سينما لا مكان لمعايير النقد التقليدية فيها طالما أن الفيلم متخم بعدد مهول من نجوم شباك التذاكر ارنولد شوازنغر وبروس ويليس اللذين يظهران ضيوف شرف في مشهد واحد، وراندي كوتورة وجيمس ستاتهام وجميعهم عرفتهم الشاشة البيضاء بأفلامهم العنيفة التي تنهض على قدرات وطاقات جسمانية متميزة.
تحدي سينمائي
ووسط زخم بصري باهر ومطاردات مسبوكة بحرفية عالية، يختبر الفيلم في بداية أحداثه مجموعة المحاربين وهي تسعى لنجدة عدد من الرهائن من براثن قراصنة صوماليين في خليج عدن قبل أن يدفع بهم لمواجهة الجنرال غارزا وهو ديكتاتور قاس يحكم جزيرة فيلينا بخليج المكسيك بالنار والحديد، بعد أن يغريه أميركي بالمال ويستغلها في زراعة وترويج الممنوعات.
ويضع سلفستر ستالوني المجموعة إلى جواره في تحدي سينمائي مثير، خاصة وان هؤلاء النجوم من ذوي الأجور المرتفعة الأمر الذي يبين ضخامة ميزانية الفيلم الذي عاد به ستالوني إلى الشاشة.وتقول الأرقام إن إيراداته وصلت إلى 28 مليون دولار في ثالث أسبوع لعروضه بأميركا الشمالية فقط، ونال الفيلم استحسان 24% فقط من النقاد من أصل 731 مقالا.
لا يضيف شيئاً
خلاصة القول: إن فيلم «المرتزقة» يعد نموذجا للعمل الذي يتعلق بأهداب أفلام أخرى سابقة على النمط نفسه، يحاول أن يحاكيها وأن ينسج على منوالها، ويستفيد من إمكانياتها وظروفها وملابساتها، ولكنه وإن كان فيه شيء من تلك الأعمال إلا أنه يأتي فاقدا لجمهور زمان، فهل ينصفه الجمهور الحالي أو يجد فيه بعد زوال بريق نجومية أبطاله أنه لا يضيف شيئا له قيمة تستحق التنويه؟!.
دبي ـ أسامة عسل
