تُذكر «الإسكندرية » فيشتاق المستمع إلى البحر، ونردّد «الأقصر» فيعود الزمان أدراجه إلى معابد الفراعنة ومسلاتهم، ووقت التحدث عن مدينة «دمياط » فلا يجول في خاطر أحد إلا هذه الورشة التي تعمل ليل نهار في صناعة الأثاث الراقي والشعبي.. ورشة على شكل مدينة يدور كل من فيها في فلك هذه الصناعة التي أصبحت تاريخية ويشتهر بها قاطنو المدينة بين أهل مصر، بل تخطَّى المنتج الدُّمياطي في الأثاث حدود مصر، وانتقلت بدائعه إلى دول العالم المختلفة، لكنها في بحر هذه الصناعة، رغم تفوقها، صارت تصارع المجهول الذي يتمثل في المستورد.

دمياط، هذه المنطقة التي تقع على البحر الأبيض المتوسط، هي المدينة الوحيدة في العالم التي لم تكن تعرف معنى «البطالة »، فخرّيجو الجامعات في دمياط كانوا يجيدون صناعة الأثاث، والطلاب يتعلمون في الإجازات الصيفية حرفة الأثاث، بل كان يفخر كل دمياطي بذلك مهما بلغت درجته العلمية، هذا ما يؤكده أحد شيوخ المهنة ويدعى الحاج محمد عرفة، مضيفا أن تعلم مهنة الأثاث يحتاج إلى موهبة، فالصغار من سن السادسة والسابعة كانوا يعملون مع آبائهم لاكتساب الخبرات، فيكبرون بين أكوام الخشب والتصميمات الدمياطية، فتنشأ علاقة قوية مع مفردات المهنة.

وأشار الحاج عرفة أنه رغم الشهرة العالمية للأثاث الدمياطي فإن الأثاث الصيني غزا دمياط نفسها بعد أن أغرق أسواق المحافظات جميعها وشتى دول العالم بإنتاج رخيص الثمن، وهذا ما دعا مدينة دمياط إلى تنفيذ برامج تحديث لتدريب المصدّرين على الأسس العالمية لتصدير منتجاتهم، وفكروا بعد ارتفاع أسعار المواد الخام إلى التنويع من خلال البحث عن مصادر أخرى لإيجاد مواد جيدة بأسعار أقل، حتى يعودوا للمنافسة في السوق الخارجية رغم تأثيرات الأزمة العالمية.

كلمة شرف

ويؤكد الشيخ ياسين، أحد كبار تجار دمياط، أن ما كان يميز السوق الدمياطية للأثاث هي «كلمة الشرف»، فكانت هذه معيار الثقة لبضائعنا، لكن حاليًا لم يعد للاتفاقات أمانة، فالجميع وقع تحت سيف ركود البضائع في المخازن، ما جعل مصانع الأثاث في دمياط تتخوف من البيع المؤجل لمعرفتها بعدم قدرة التجار على سداد ما عليهم من أموال.

وفي أحد محال الأثاث علا صوت سيدة مصرية اعتراضًا على شراء أثاث دمياطي . لأنها فوجئت بأن أسعار الأثاث قد تضاعفت بعد عام واحد فقط، وأعلنت أنها تفضل الأثاث المستورد خاصة الصيني رغم سمعته غير الطيبة من حيث الجودة.

لكن الشيخ ياسين عاد وأكد أن ارتفاع أسعار الخامات المستمر أدى إلى رفع أسعار الموبيليا . حيث أصبح سعر متر الخشب الزان 3500 جنيه مصري، وهذا يفرض علينا رفع السعر وإلا سنتعرض للخسارة بالتأكيد.

وأشار إلى أن المهنة أصبحت طاردة للعمالة، ولم يعد للشباب ولا للصغار رغبة في العمل في الورش كما كان يحدث في السابق، بل حتى الذين فشلوا في المدارس لم تعد لديهم رغبة في العمل، وأصبح شباب دمياط كبقية شباب مصر يسعون وراء الهجرة إلى العاصمة القاهرة أو إلى خارج البلاد في أي دولة أوروبية.

أضاف: الغريب أن صناعة الأثاث ارتفعت على مستوى التطوير خاصة الموديلات المبهرة التي تتميز بدرجة عالية من الجودة، ولكن السعر جعل الطلب عليها قليلا، فأصبح العرض أكثر من الطلب وهذه المشكلة جعلت بعض التجار يبيعون بالخسارة لمواجهة التزامات أسرهم وعمالهم.

ورغم كل هذه العقبات تظل دمياط معقل الأثاث الصامد أمام أمواج المستورد، فلم تتزحزح رغم قسوة الظروف عن الاستمرار في الإنتاج، حتى ولو بشكل أقل . لتظل محل اهتمام من الوكالات الإعلامية المحلية والإقليمية والعالمية كقبلة لأهم الصناعات الإبداعية التي رسخوا من خلالها للعالم كله أن الإبداع في صناعة الأثاث بكل موديلاته ومتغيراته ينطلق من مدينة دمياط.

فأينما ذهبت تجد ورشًا تعمل كخلايا النحل، تخصص كل منها في شكل معين وموضة مستقلة، وعلى باب إحدى الورش لمحنا رجلا ذا شعرٍ أبيض يجلس يتابع بنظره الأثاث المكدس داخل معرضه، فسألناه: هل ما زلتم تمثلون «البريمو » في صناعة الأثاث؟.. ضحك عم فتحي ورد باختصار وثقة: «وسنظل ».

ثم باغتني بسؤال: تعرف لماذا؟.. نظرت إليه ليكمل وهو يشير إلى عُمَّاله.. «ما دامت هذه العقول والخبرات موجودة وكذلك هؤلاء الصبية الذين شربوا الصنعة، سنظل الأفضل والأقوى ».

أزمة عالمية

واستطرد: «لكن هناك متغيرات كثيرة انعكست سلبيًا على مستوى التصدير للخارج أو الطلب في الداخل، وهذه المتغيرات ليست على مستوى جودة الصناعة، ولكن تتعلق بتداعيات الأزمة المالية العالمية، كذلك الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام، وهذان العاملان جعلا صناعتنا أقل قدرة على المنافسة عالميًا . لأن السعر والجودة أمران متلازمان، وفي مجال تفوق «الدمايطة » فلا خوف على صناعتنا، فنحن أصحاب تاريخ عريق وخبرات لا تتوفر في أي بلد في العالم، فلدينا قرابة 40ألف محل وأكثر من 400 ألف «صنايعي» في مجال الأثاث، ولكن الأسعار ليست بأيدينا، فظروف الدول التي تستورد منا فرضت علينا الالتزام بالأسعار المناسبة لهم، ما جعلنا خارج المنافسة بالشكل الذي كان.

عدالة المنافسة

وأثناء الحديث جاء الحاج محمود، صاحب الورشة المجاورة، وتداخل في الحديث مؤكدًا أن صناعة الأثاث المصرية مرغوبة على مستوى العالم، وأن أهل دمياط فقدوا شرط العدالة في المنافسة، خاصة في ظل تدفق الأثاث المستورد على مصر، فالمعلن رسميًا عن الواردات من الأثاث بلغ حوالي 90 مليون جنيه، لكننا نعرف أن الواقع الفعلي يؤكد دخول أربعة أضعاف هذا الرقم من الأثاث المستورد إلى مصر تهريبًا عبر فواتير غير حقيقية.

مشيرًا إلى حجم الصادرات المصرية من الأثاث الذي تراجع من العام 2008 إلى 2009 بمقدار النصف تقريبًا، وهذا يرجع إلى العوامل السابقة حسب قوله، لكنه عاد وأكد انحياز المصريين والعرب إلى أثاث دمياط، ولا ننكر أن هناك انخفاضًا في الطلبات المحلية والعربية نظرًا لدخول الأثاث الصيني سوق المنافسة رغم أنه أقل جودة من صناعتنا الأصيلة التي تجذب كثيرا من السياح طلاب الفن الراقي .

غزو صيني

وفي أحد المعارض بسوق الأثاث بالقاهرة التقينا السيدة «فتحية» التي قالت: عُرض عليَّ أثاث مستورد بثمن أقل، ولكني رفضت وجئت لاختيار الأثاث المصنوع في دمياط ، لأن أشكاله مختلفة ويتحمل كثيرًا..أضافت: جارتي اشترت أثاثًا مستوردًا لشقة ابنها، لكنها بعد فترة شكت من عدم جودته وتعرضه سريعًا للتلف.

ولم تمض دقائق حتى دخل العامل لصاحب محل الأثاث . ليُجري مكالمة مع أحد المصانع في دمياط للاتفاق على «طلبية » أثاث، وأكد لنا العامل أن الأثاث الصيني يغزو السوق السودانية نظرًا لانخفاض سعره مقابل الدمياطي، لكن كثيرًا من السودانيين بعد فترة بدأوا البحث عن الأثاث القادم من مصر، أي من دمياط بالتحديد.

القاهرة - دار الإعلام العربية