ذلك السور الذي تتنطط عليه عصافير السنونو عمره أكثر من ثمانية قرون، ولا تزال الشمس تسطع على جدرانه كل يوم، ولا يزال سكان المدينة القديمة يعتبرونه حدود الدنيا الآمنة بالنسبة اليهم، كما دأب أجدادهم قبل مئات السنين. نحن في باكو، عاصمة دولة أذربيجان، وقد أنشئت المدينة القديمة على هضبة واقعة قرب سواحل البحر. وابتداء من القرن الثاني عشر بدأت تحاط بالسور. ومع السور المطلة على البحر تشكلت ميناء هامة نقلت التجار والمسافرين وأباطرة النفط والأتراك والسوفيات وأبناء البلاد.
المدينة القديمة المحاطة بالسور بمساحة 22 هكتارا تسمى حاليا ايجري شهر (المدينة الداخلية) وتقع في قلب باكو. وقد تم ادراج إيجري شهر، كأثر عمراني نادر على قائمة الآثار في حماية اليونسكو.يقول سليمان، وهو دليل سياحي وتاريخي في «المدينة القديمة» من المعروف عالميا أن المدينة التاريخية، متضمنة برج ميدان تعود الى القرن الثاني عشر، لكن هناك بعض الدراسات التي تثبت أن بعض المنشآت تعود الى القرن السابع ميلادي، لكن الجدال لم يحسم بعد حول هذا الأمر.
عبق العصور الوسطى لباكو، التي باتت من المقاصد التي يضعها الخليجيون، وتحديدا اهل الامارات، على خارطتهم السياحية، بوسع الزائر أن يشعر بها لدى زيارته منارة «سينيج غالا»(القرن الحادي عشر)، حصون وأبراج القلعة (القرن11-21)، حمام حجي غاييب (القرن الخامس عشر)، قصر شيرفانشاه (بين القرنين 51و61 ميلادي) وغيرها.
يقول الرحالة والباحث الروسي إ. بريزن الذي زار باكو في أواسط القرن التاسع عشر عن شوارع المدينة: «انها ضيقة ومتعرجة الى درجة لم أعرف لمدة اقامتي بباكو لشهر، هل قد يكون في استطاعتي الخروج من الشارع الذي دخلت منه».
لكن ذلك التعرج، الذي ربما أزعج بريزن، هو تحديدا ما يبحث اليوم عنه السواح الذين يأتون من الولايات المتحدة والمانيا والشرق الأوسط، لاختبار تجربة المدن العتيقة. وكانت هذه التعاريج تحول في الماضي دون تسبب «الريح الشمالية الصقعى بباكو (خزري) في الشتاء، بالأذى، كما أنها تنشر البرودة في الصيف بفضل الظلال الساقطة من حيطان البيوت.
يقول غيث بشارة، سائح لبناني مقيم في الامارات، من الذين زاروا المدينة القديمة قبل فترة:» تلك الظلال الساقطة، وأشجار التين والزيتون النابتة في الأزقة، والأبواب والشرفات الخشبية، كلها بقيت في ذاكرتي، مجبولة بالسحر والحنين للعودة الى هذه المدينة الجميلة».
أما اقدم جزء من حصن باكو لا يزال موجودا الى اليوم، هو الجزء الساحلي، وأقدم الآثار: مئذنة مسجد محمد بن أبي بكر (سينيق قلعة، عام 1078) وقلعة العذراء. كذلك انشئت على الهضبة مباني قصر شيروان - النموذج النادر للعمران الآذربيجاني في القرن الخامس عشر.
والمتجول في الباحة المحيطة بقلعة العذراء، سيلاحظ، اضافة الى رفوف السنونوات التي لا تتوقف عن الدوران حول القلعة، أنها مقصد رئيسي لسكان المدينة، الذين يتنزهون فيها، ويضربون المواعيد هناك ليل نهار. وهي تتمتع، ومنذ القدم بموقع استراتيجي. فقد تطورت الطرق التجارية للمدينة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكان هذا الطريق يربط «بوابة شماخي» بالاراضي الساحلية للمدينة ويغير اتجاهه حول قلعة العذراء ويؤدي الى «بوابة ساليان».
كذلك كان هذا الطريق يربط «السوق الاعلىلالا الذي كانت تقع فيه دكاكين المجوهرات والدكاكين التجارية الكبيرة بـ«السوق الأسفل» الذي كانت تقع فيه دكاكين البقال وورش الحرفيين. كان الشارع الذي يسمى حاليا بـ(القلعة الكبيرة) مركزا رئيسيا ونشطا للحياة العامة. كانت تقع هنا عدة كروانسارايات ومساجد وحمامات الى جانب الاسواق (بازار). وقد تحول عدد كبير من هذه الدكاكين والباحات الى مطاعم وفنادق وأسواق سجاد وتحف يزورها السواح بانتظام.
وتعمل الحكومة الأذربجانية اليوم على ترميم اجزاء كبيرة من المدينة القديمة ولا يزال سكان يعيشون في احيائها، وقد تناقص عددهم بداء من منتصف القرن التاسع عشر، حين أدى نقل مركز القضاء الى باكو عام9581، بالتوازي مع الطفرة الكبيرة التي شهدتها صناعة النفط المتنامية الى توسع المدينة. آنذاك، اصبحت باكو احدى اكبر مدن روسيا خلال وقت قصير. بدأت المدينة التي كانت اراضيها عبارة عن 22 هكتار في بداية القرن التاسع عشر تضم الأراضي الجديدة لضواحيها. وبلغت مساحتها0031 هكتار خلال أعوام 0681 - 1881.
وتزايد عدد السكان فيها بنفس السرعة، وكانت هذه السرعة تسبق كل المدن الكبيرة لأوروبا وحتى كبرى المدن الأميركية مثل مدينة نيويورك. وبالامكان أيضا ملاحظة عدد من المباني الفاخرة في المدينة القديمة، وهي تعود الى الفترة التي كان فيها اصحاب مشاريع النفط يصرفون الاموال الطائلة المكتسبة لإنشاء المباني وإعمار المدينة. وكانت تختلف اساليب ووسائل العمران المستعملة اثناء البناء، وكانت تتعلق اساسا برغبات الاشخاص وطلباتهم الخاصة اكثر من مهنية المعماري.
وهكذا، شيدت في باكو مبان ذات اساليب نهضوية حديثة جنبا الى جنب مع الأساليب القوطية الحديثة والباروك الحديثة والكلاسيكية والأمبير والحديثة (المودرن). ونشأت مبان باسلوب مورتاني، تسعى الى تطبيق العناصر العمرانية القومية. ورغم اختلاف اساليب انشاء المباني كانت تجمعها كيفية انشاءها على المستوى الرفيع. مثل دقة حجمها والاستفادة من الحجر الأبيض وغيرها من الخصائص. ومن هنا، اكتسبت باكو منظرا خلابا ولا بديل له اشتهر باسم «باريس الشرق» بفضل كد المعماريين والبنائيين.
باكو - الحواس الخمس
