موهبة جعلتها هواية، ثم نمتها بالعلم، فنشلت عائلتها من طلب العوز إلى تدبير حياتها، انتهت بها إلى بر الأمان، هذه باختصار حكاية أم فراس تلك المرأة التي أضافت إلى يد زوجها يديها لتساعد عائلتها في حياة لم تعد ترحم محتاجاً.أكثر من ذلك.. إن «القش» الذي أتقنت أم فراس شغله، كان طوق نجاة لها ولعائلتها.

تقول: كان واضحاً لي مبكراً أن أبنائي الأربعة من طلبة علم، وأنهم أذكياء كفاية، وسيسعون للحصول على شهادات عليا، فرغبت بالاستعداد لمرحلتهم الجامعية، بتوفير دخل آخر للأسرة.لا بأس بالتعب إن كان المردود توفير دخل إضافياً للأسرة يساعد في النفقات التي أخذت ترتفع باطراد مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات.

«أم فراس» طورت من هواية حب الأعمال اليدوية التي رافقتها منذ نعومة أظفارها، خصوصاً تلك الأعمال التي تحتاج إلى حرفية عالية واتقان.لقد تزوجت مبكراً ولم تبلغ بعد العشرين من عمرها بعد أن أنهت دراستها وحصلت على دبلوم في «السكرتارية وإدارة المكاتب».

كانت وقتها تعمل في سكرتارية المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، وفيه مكثت ثلاث سنوات، إلا أنها استقالت منه وفضلت أن تمارس أي عمل آخر، ولكن بشرط أن يسمح لها بالبقاء في البيت، وذلك بعد أن رزقت ببكرها فراس، الذي كان عليها الاهتمام به، فهي لا تثق بغير حضن الأم مكاناً آمناً لحياة الطفل.

خلال مهنتها في السكرتارية تعرفت إلى مهنة أخرى اعتبرتها باب رزق مهم لها، وهي طباعة الأبحاث والكتب الجامعية. وبالاتفاق مع عدد من المكتبات والمراكز الثقافية اشترت أم فراس «ماكنتي طباعة» واحدة عربية والثانية إنجليزية، لطباعة الأبحاث ورسائل الماجستير وتمكنت خلال فترة وجيزة من جسر الفجوة المالية التي أحدثها تركها للعمل في المجمع.

ولكنها لم تنس شغفها بالأعمال اليدوية، هي موهبة جعلتها هواية في أوقات الاسترخاء، والهروب من ضجة الحياة.بعد أن لاحظت أن عملها في المنزل بات يدر عليها دخلاً جديداً، بدأت بالانتباه إلى هوايتها، سجلت في عدد من دورات التطريز، والمشغولات اليدوية من القش، والرسم على المرايا، وتفريغ المفارش، وما إن اجتازت هذه الدورات حتى أخذت تشتري المواد الأولية لتصنيع ما تعلمته من الدورات، صحيح أنها كانت في السابق تمارس هوايتها في الرسم على المرايا.

وتصنيع بعض الحاجيات، وكانت ترى أن مشغولاتها جيدة، وتحظى بإعجاب الكثيرين، لكنها بعد أن اجتازت تلك الدورات، واكتسبت معارف وأساليب حديثة في التعامل مع القش، بدت قادرة على إنتاج مشغولات يدوية من طراز رفيع. تقول: لولا حبي لهذا العمل لما تقدمت إليه فهو شاق ومتعب ولكني أشعر بالمتعة وأنا أعمل فيه.

إن أم فراس انتهت إلى ما انتهى إليه الكثيرون، المكان الأول الذي يجب أن تبدأ فيه بالبحث عن العمل جيد يدر لك مالاً معقولاً هو نفسك. أن تفتش جيداً في داخلك وتلتقط هوايتك المفضلة، ثم تحولها إلى عمل يدر مالاً.

تشير أم فراس إلى أن دخلها الشهري اليوم يصل إلى نحو 007 دولار، وتقول: سبحان من بالقش رزق عائلتي. ما تفعله هذه السيدة هو أنها تصنع «السلال» و«الصواني» والمعروضات المنزلية وكل ما تطلبه السيدات اللواتي تتعامل معهن. أم فراس تضرب بذلك مثلاً تقول: بإمكانها من الكيلو الواحد من القش الذي تشتريه بــ01 دولارات تصنيع ست «صواني»، علماً أن الصينية الواحدة تباع بسعر 22 دولاراً، في ما كلفة صينية القش الواحدة لا تقتصر سوى ثمن القش، وبعض الأشياء الصغيرة الأخرى التي لا تكلفها الكثير.

اليوم تشارك أم فراس في معارض تقيمها بعض الفنادق، كما أنها تشارك في مجالس الأمهات في المدارس بعرض مشغولاتها وأخذت منذ مدة تشتري الثياب التراثية ذات التطريز القديم،، وتقوم بقص الأجزاء المطرزة، وتستخدمها في مشغولاتها، فالتطريز التراثي الجميل يضفي على الصواني والمشغولات الأخرى لمسات جمالية، قلما يمر المرء من أمامها من دون أن تلفت انتباهه.

عمان ــ لقمان اسكندر