سعدت طوال شهر رمضان بالتجوال في رحاب التراث لدولتنا الحبيبة في رحلة استكشاف صحبتني فيها »أمي الحبيبة« وكانت نعم المرشد والدليل في كافة الجولات تشرح لي ما خفي من أسرار تراثنا والألعاب الشعبية والمنتجات اليدوية وحفلت الرحلة بالعديد من الطرائف نشرك قراء »الحواس الخمس« معنا في مطالعتها عبر السطور التالية.
قصتنا الأولى كانت مع »الشحوح« في رأس الخيمة، حيث جمعنا هذه التفاصيل عن الإيقاعات القديمة والفنون الشعبية التي تتميز بطابعها المميز®. والقينا الضوء على فن الطبل او كما يسمى ب»الرواح« وكذلك على الندبة الشحية.وكانت لنا جلسات مطولة محمد المنصور المسؤول عن فن الرواح في جمعية الشحوح للثقافة والتراث برأس الخيمة وعرفنا بأن (الطبل) يعتبر الأداة الموسيقية الوحيدة عند الشحوح فإن النقر عليه يشكل الموسيقى الأساسية للإيقاعات المختلفة للمقطوعات اللحنية الجميلة التي تؤدى عليها الرقصات. ومن الطرائف إني »ضيعت« في الوصول إلى مقر جمعية الشحوح فكان دليلي شاب يقود دراجة »ابوشراع« فأوصلني الجمعية مشكوراً وكانت رحلة طريفة وأنا أسير خلفه على مهل.
وخلال هذه الجولة تعرفنا أيضا علي فن »الندبة« مظهر من مظاهر العزوة أي النخوة والاعتزاز والفخر، فهي نداء خاص يبعث الحمية والحماس والإعراب عن الفرح في المناسبات المفرحة، كما يعبرون به عن شكرهم وعرفانهم بالجميل وهو أيضاً نداء الحرب والقتال عند الشحوح.
رائحة المالح
وكانت محطتنا التالية مع الوالد درويش أحمد وهو أشهر الرجال في تجارة المالح في مدينة دبا الحصن وعرفنا على أسرار تخزين المالح والطرق المتبعة لها قائلاً: أصبحت (دبا) منذ القدم مركزاً لتسويق أجود أنواع المالح، حيث زاد الطلب عليه خاصة من قبل المواطنين، فهم يأتون من كل مناطق الدولة لشراء تلك الأكلة الشعبية المعروفة إضافة إلى الاستمتاع بهوائها ونخيلها في فصل الصيف.
وكانت رحلة طريفة ومزعجة بالنسبة لي لأني لا أطيق رائحة السمك لكن لأجل عيون قراء »الحواس الخمس« تحملت رائحة المالح وخرجت بمواد »دسمة«.
وفي رحاب المنطقة الشرقية تواصلت الجولة مع مجموعة من الشواب حول الأسلحة التقليدية وكيفية صناعة الرصاص القديم، وعرفنا الوالد أبو أحمد من دبا أن السلاح كان ضرورياً للرجل ولا يفارقه، فحين يذهب ليبيع أو يشتري في أسواق الشارقة ودبي لا بد له من سلاح يحميه من مخاطر الطريق إذ قد يصادفه حيوان مفترس.
فالجبال كانت مليئة بالذئاب، ولم يكن هناك أحد يسافر وحده حيث يجتمع مجموعة من الرجال ويتواعدون على الخروج سوياً نحو المدينة، حاملين معهم ما يمتلكون من أسلحة مثل أم عشر والصمعة وأم فتيله أو برشوت وغيرها من أنواع البنادق المعروفة آنذاك.
كرم شرقاوي
وكانت لي جلسة مطولة مع مجموعة من ربات البيوت في الشارقة تعرفت فيها على المطبخ الإماراتي الأصيل وأكلاته الشعبية واستعدت مع أم خليفة أيام الماضي وقالت في الماضي كانت الناس قانعة مع قلة الحال فقد ربينا أولادنا على القناعة وكانت المرأة تصنع طعامها من أي شيء متوفر في المنزل ولا تتذمر فكان الأكل طازجاً ولا وجود للأكل المجمد في بيتي على عكس يومنا هذا، فجميع الأكلات مجمدة، وكنت احرص أيضا على توفير البزار التي تعطي نكهة ورائحة زكية في الطعام.
حيث كان يأتي بها زوجي من سوق الشارقة وهي عبارة عن السنوت (الكمون) واليليلان (الكزبرة الجافة) والكركم والجرفة (القرفة) والفلفل الأسود والمسمار (القرنفل)، وأحيانا كنت أضيف عليها القليل من الهال.
وكان حديث ربات البيوت بمثابة دروس مجانية عن المطبخ الإماراتي لكثير من بنات جيلي خصوصا المقبلات على الزواج.
حابول النخل
ولم نهمل النخيل والمزارع في جولتنا التراثية، حيث توقفنا مع »الحابول« في مزرعة الوالدة »فطيم« وكانت رحلة ممتعة وسعدنا بكرم الوالدة التي منحتنا كميات كبيرة من الرطب الطازج فضلاً عن معرفتنا بالحابول وهو حبل مصنوع من ليف النخيل ويستخدم للصعود إلى قمة النخلة، ويسمى الصاعد (الخارف) ويأخذ معه (المخرافه) وهي السلة المصنوعة من خوص النخيل والمستخدمة لجمع الرطب بعد (خرفه).
يربط الخارف (الحابول) حول وسطه للصعود إلى قمة النخلة حيث الرطب و(الغدر)، وهو مكان يشمل (الحيب) و(القلب) اللذين يمثلان روح النخلة. ويزوّد الحابول بقاعدة متينة يستند عليها (الخارف) ويكون مكانها حول ظهره ومؤلفه من عدد أكبر من الحبال المتينة®. والخارف لا يحتاج لهذا الحبل إلا لصعود النخلة الكبيرة (العوانه) أيام (القيظ) أي الصيف لأنه موسم الرطب.
وهو ذلك الحزام الحبلي الذي يلفه متسلق النخلة حول بدنه وحول جذع النخلة ليكون كالعتلة، تساعده على تسلق النخلة وتحميه من السقوط ويُصنع من ليف النخيل بعد نقعه في الماء وتجفيفه.
رحلات الصيد
وكانت ختام جولتنا الرائعة مع الصقور وتعرفنا فيها على كيفية تدريبها على الصيد والأوقات التي تتم فيها رحلات الصيد، ويتم صيد أنواع مختلفة من الطيور منها الحبارى والكروان والدجاج البري والحمام وغيرها، وعرفنا ان الشاهين يصيد الطرائد الصغيرة بينما يمكن للصقر الحر أن يصيد الغزلان .
حيث تمتلك الصقور سرعة هائلة تصل إلى 981 ميلاً في الساعة ويستطيع أن ينقض على فريسته بسرعة كبيرة فيضرب الغزلان في الوجه والعينين ويشل حركتها، ويجعلها لا تستطيع مقاومته، وهذا ما يجعله مثيراً للإعجاب يتعلق به الصقارون فهو يتميز بقدرات لا تتوفر في الطيور الأخرى.
وفي الماضي كان الرجل يصطحب للقنص صقوره للقنص مع كلاب الصيد السلوقية، وكلا النوعين يحظى باهتمام خاص في الدولة إذ توجد وثائق تثبت هويتها وملكيتها لصاحبها، معلومات قيمة جمعناها من أفواه الصقارين مباشرة في أجواء طبيعية وأتيحت لي فرصة إطلاق الصقر على الفريسة وكان موقفاً مرعباً بالنسبة لي لأنها المرة الأولى التي أقوم فيها بذلك.
دبي - مريم إسحاق

