فن السينما الذي بلغ عمره أكثر من قرن واحتل الرقم السابع بين الفنون، لم يزل شابا رغم ظهور العديد من الفنون المرئية، بل حافظ على مكانته وسحره باعتباره وسيلة جماهيرية قادرة على خلق الإبداع وإثارة الدهشة وانتزاع الإعجاب.

وبهذه الخصوصية تواصل الأفلام صمودها في ظل واقع تهيمن عليه ثقافة الصورة الاستهلاكية، ورغم استفادتها من التكنولوجيا وتقنية الديجيتال وخاصية الأبعاد الثلاثية، يبقى عشاقها يتلمسون أعمالها الكلاسيكية ويبحثون عن سينما جميلة مغيبة وسط أفلام الحركة والرعب والخيال، واليوم تأخذنا ضيفة إعلامية من خلال قراءتها ومشاهدتها ومخزون ذكرياتها إلي عالم الأفلام، حيث نتعرف على نوعية مختلفة ساهمت على مدار أجيال في الارتقاء بالذوق العام. منى بو سمره إعلامية إماراتية تعشق العمل في بلاط صاحبة الجلالة، وقتها مشغول بين كونها مدير تطوير البرامج الإعلامية بنادي دبي للصافة، ونائب مدير جائزة الصحافة العربية، وأمين عام جمعية الصحافيين الإماراتيين.

ورغم ذلك تقتنص من وقت إلى آخر فرصة الذهاب إلى صالات السينما لمشاهدة الأفلام التاريخية التي تعشقها وتتناول نضال الشعوب وحكايات الشخصيات التي تقود وطنها للاستقلال والتحرر.تؤمن بأن ساعات العمل جعلت حياة الناس عملية أكثر منها اجتماعية، لذلك وبطبيعتها الفطرية تميل إلى مشاهدة الأفلام الرومانسية، خصوصا أفلام الحب الهندية الأسطورية، وفيلم (تيتانيك) الذي ذهبت لرؤيته 5 مرات، تماما مثلما لا تمل من الفرجة على الأفلام العربية القديمة في الفضائيات.

البعض قد يرى أنها (ثورجية) من خلال اختياراتها لأفلام مثل (جميله بوحيرد، العصفور، الأرض، ودعاء الكروان) لكنها تعترف بارتباطها الشديد بفكرة القومية العربية وبمقولة المغفور له الشيخ زايد آل نهيان (النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي).

وفي لقاء تم داخل (سيني ستار سينما) بسيتي سنتر، ومع ملصقات الأفلام وصور النجوم والنجمات كان ل(الحواس الخمس) مع منى بو سمرة، هذه الوقفات التي سلطت فيها الضوء على علاقة الناس بالسينما.

تأثير السينما

(يجب أن تهتم السينما بالقضايا الاجتماعية وأن تؤثر على الناس تأثيرا ايجابيا كما يجب أن يكون لها دور حقيقي في حياتهم وأعتقد أن صناعها لو اهتموا فعلا بتقديم النماذج الحقيقة سوف تنجح كل أعمالهم).

مدخل حرصت من خلاله منى بو سمرة توضيح دور السينما ومدى تأثيرها على الناس، حيث تقول: كانت السينما خلال السنوات السابقة وخصوصا السبعينات، المصدر الأهم والمؤثر في تشكيل ثقافة الناس بفضل الموضوعات والمعالجات التي كانت تطرحها، وقوة وانبهار المتلقي بما يشاهد، ولاسيما إذا كانت الأفلام تتناول موضوعات جادة تهم الناس، لكن ربما تراجع الدور قليلاً في السنوات الماضية بفعل عوامل عديدة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

لكن لم تفقد السينما تأثيرها، ربما تحولت إلى مقصد للنخبة المهتمة بالسينما فقط، لكن الأفلام تصل الناس عبر الفضائيات والإنترنت أيضاً، ولا نستطيع أن نجزم بفقدان تأثيرها، فالمتلقي يتأثر بما يشاهده بطبيعة الحال، ولا يمكن الجزم أيضا بتراجع دور السينما في حياة الناس وتأثيراتها الفكرية والثقافية.

والسينما العربية بشكل عام لم تكن مؤثرة بشكل كبير ربما لأنها كانت مجرد وسيلة من وسائل الترفيه أكثر منها وسيلة لتوجيه الوعي والفكر الثقافي، وكان تأثيرها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أكبر، وقبلها كانت السينما الهندية تحظى بانتشار وتأثير أكبر في منطقة الخليج لعوامل كثيرة منها التقارب المكاني ووجود جاليات كبيرة لهم، ولكن يبقى للفيلم تأثيره، وتبقى عملية الذهاب إلى دور السينما مذاقاً خاصاً.

أزمة مزمنة

(على الفن أن ينمي الثقافة بالتجربة والاقتراب من الناس والحياة اليومية، والفيلم السينمائي إذا ما أحسن تقديمه سوف يسهم إسهاما حقيقيا في تطوير السينما العربية ويخلق نوعا من الوعي الجاد والسليم يخدم مجتمعاتنا).

ترى منى بو سمرة أن أزمة السينما العربية أزمة مزمنة مرتبطة ارتباطا مباشرا بالواقع المحبط للحياة العربية فمن الانكسارات العسكرية إلى الإسقاطات السياسية وتدهور الوضع العام العربي، وغياب الوعي غياب شبه تام، ظلت تراوح مكانها عكس الانفتاح والتطور الذي اجتاح السينما العالمية.

وتأتي أزمة السينما كذلك من عدم استيعاب الأفكار الجيدة وإيصالها إلى الناس، وأنها لم تفهم اثر الشعور بالحاجة الملحة إلى شيء يحتوي أفكار الإنسان العربي وتحركاته وإبداعاته، ومازالت هذه الظاهرة واضحة في الإنتاج الحالي الذي يمكن أن نطلق عليه صفة الأعمال التجارية، إلا في بعض الأفلام القليلة لبعض المخرجين، وللأسف ظل الفيلم العربي خاضعا للمبالغات العاطفية والمأساوية (الميلودرامية ) وهذا النوع من المبالغات العاطفية إنما يعني الابتعاد عن الفهم الصحيح لواقع المواطن العربي وطرح قضاياه.

الأفلام القديمة

(أعترف بأنني أستمتع بمشاهدة الأفلام القديمة أكثر من مرة، مقابل مشاهدات محدودة لا تتعدى المرة أو المرتين للأفلام العربية الحالية، وهذا ينعكس أيضا على جمهورها القليل جدا في صالات السينما المحلية).

تؤكد منى بو سمرة ارتباطها بالأفلام العربية القديمة، وتفسر ذلك قائلة: كانت مهمة التمثيل في حياة الشعب العربي حتى الخمسينات مقتصرة على جانب واحد ألا وهو الترفيه والتسلية، إما عن طريق الفيلم الكوميدي أو عن طريق الفيلم الغنائي ـ سينمائيا ـ أو عن طريق المسرح بجانبيه الكوميدي والاستعراضي، والشيء الجدير بالتنويه في هذا المجال هو أن الفترة الفنية الأولى تميزت بالإجادة والإخلاص في العمل الفني من ناحية مواهب الفنانين بعكس الاستهتار والتهافت التجاري على العمل الفني في الزمن الحالي والذي أحيانا لا نتذكر أسماء ممثليه.

كما نلمس الفرق الواضح في إمكانيات الفيلم الاستعراضي قبل ثلاثين عاما عن إمكانيات الفيلم الاستعراضي الآن، ومن خلال متابعة أفلام الثلاثينات والأربعينات على قناة (روتانا زمان) نستمتع بأفلام ليلى مراد وأسمهان وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم وصباح ونور الهدى وتحيه كاريوكا وشادية ومحمد فوزي وبالكثير من الاستعراضات الغنائية الممتعة في أفلام زمان، وهى الاستعراضات التي لم نعد نحس بوجودها في أفلام هذا الزمان.

سلوكيات الجمهور

(سلوكيات الجمهور في صالات السينما أمر ضروري ومهم تنظمه بلدية دبي، حيث تشدد على ضرورة عدم استخدام الموبايلات خلال عروض الأفلام تلافيا للضجيج الذي تحدثه رناتها، بخلاف أصوات الحديث المزعج).

تلفت منى بو سمرة النظر إلى أنها غير منتظمة في الذهاب إلى صالات السينما وأنها تفضل صحبة الأصدقاء والأخوات خلال مشاهدة الأفلام، ويرجع ذلك إلي ضرورة عودة الانضباط لصالات السينما، وممارسة الدور الذي تلعبه بلدية دبي.

وكذلك قوانين الرقابة على الأفلام في قاعات العروض، خصوصا في مراقبة أية تجاوزات مثل تلك المتعلقة بتصنيفات الأفلام التي يمكن أن يتعرض من خلالها الأطفال وصغار السن للقطات وجمل حوارية تخدش الحياء أو مشاهد عنف وأكشن تؤثر سلبيا على سلوكهم، كما تطالب بو سمرة إنهاء التعليقات بصوت عال خلال عرض الفيلم أو تناول المأكولات بشكل مزعج، أو عدم انضباط جماعات الشباب بتصرفات وأصوات تسيء للآخرين.

يوسف شاهين

(»جميلة« فيلم تاريخي عن أحد أهم الشخصيات في تاريخ الجزائر وهى جميلة بوحيرد، من إخراج يوسف شاهين والذي لم يحك قصة جميلة فقط بل عرض نضال شعب الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي).

تشير منى بو سمرة إلي حبها لمجمل أعمال المخرج يوسف شاهين خصوصا (الأرض، عودة الابن الضال، العصفور، حدوته مصرية) وتتعرض لفيلمه (جميلة) الذي يبرز الدور البطولي لكفاح المرأة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وتقول:

أنه كان بمثابة شهادة عرفان ليس لجميلة بوحيرد فحسب بل لكل جميلات الجزائر الكثيرات اللواتي كافحن من اجل الاستقلال، حيث تلعب حبكة شاهين الرئيسية حول تطور شخصية جميلة من فتاة خفيفة الظل، إلى صديقة تنضم لجبهة التحرير وتساند (يوسف) قائد الفرق السرية، حتى مناضلة عنيدة تتحمل أشد وسائل التعذيب من جيش الاستعمار الفرنسي وفي مقدمتهم السفاح (بيجار)، الذي يتلذذ بتعذيبها بأساليب وحشية كي تطلعه على مكان يوسف ورفاقه.

وترفض الإدلاء بأي معلومات حباً في بلادها، كما تتعرض إلي فيلم (الأرض) الذي يعتبر أحد أهم أفلام السينما المصرية، وتدور أحداثه في إحدى القرى المصرية التي يفاجأ أهلها بقرار حكومي بتقليل نوبة الري إلى 5 أيام بدلا من 10 أيام فيبلغ العمدة الفلاحين أن نوبة الري أصبحت مناصفة مع أراضي محمود بك الإقطاعي، فيجتمع رجال القرية للتشاور ويتفقوا على تقديم عريضة للحكومة من خلال محمد أفندي ومحمود بك لكنه يستغل الموقف وتوقيعاتهم لينشأ طريق لقصره من خلال أرضهم الزراعية، ولكن يثور الفلاحين ـ وعلى رأسهم محمد أبو سويلم ـ الذي يتم سحله على الأرض وهو يحاول التشبث بالجذور.

رومانسية تيتانيك

(إذا كان هناك عمل رومانسي في تاريخ السينما العالمية أكثر جماهيرية، فلا يستطيع أحد إغفال فيلم (تيتانيك) بما حققه من إيرادات وعدد مشاهدات، ولا أنكر أنني شاهدته 5 مرات في صالات السينما).

تتذكر منى بو سمره فيلم (تيتانيك) وهو عمل درامي ورومانسي كتبه وأخرجه وشارك بإنتاجه جيمس كاميرون، أبطاله هما ليوناردو ديكابريو و كيت وينسليت، ممثلين شخصيتي جاك دوسن وروز ديويت بوكاتر، وهما من طبقات اجتماعية مختلفة وقعوا في الحب على متن الرحلة الأولى لعام 2191 لسفينة آر إم إس تيتانيك، ولقوة هذا العمل ـ وصلت عوائده عالمياً إلى 81 مليار دولار أميركي، و رشح لأربع عشرة جائزة أكاديمية وربح منها ثلاث عشرة، من بينها جائزة أفضل فيلم في مهرجان الأوسكار لعام 1979ـ يتوقع أن يتم تحويله إلى تقنية الأبعاد الثلاثية في صورة فنية رائعة في عام 2010 هو العام الذي يتزامن مع مرور 100 عام على غرق السفينة تيتانيك.