بين عيد اليوم وعيد الأمس بون شاسع يشعر به من عاش أيام العيد البهيجة في الماضي وفرح بعيديتها واحتفالاتها وتحضيراتها التي تكون على قدم وساق فالكل يدرك أن العيد لا يأتي كل يوم فيحتفل به ويتواصل بطريقة تكشف حميمية البساطة وروابطها الجميلة، لذا فإن عيد »أيام أول« يأتي بنكهة خاصة يتبادل الناس فيه التهاني ويتزاورون ويمحون من قلوبهم مشاعر الغضب والخلافات لتكون أيام العيد مثالية جميلة حافلة بالمسرات.
وحين يتذكر الناس أيام العيد يعبرون عن هذا الاختلاف حيث يقول عبد الله زيد الظهوري، رئيس مجلس إدارة جمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح: عشنا أيام العيد في الماضي وكان لها طعم أجمل عن ما هي اليوم، فهناك تفاصيل خاصة تبدأ قبل العيد وهي الاعلان عن قدوم العيد لعدم توفر وسائل الاعلام.وأحيانا يأتي الخبر في الليل متأخرا حيث يتم تحري الهلال وتقوم الشرطة بإعلانه في الأحياء، وفي الصباح نصلي العيد في مصلى العيد في الوادي فلا بناء هناك سوى »حصا« كبيرة يقف عليها الخطيب والناس تقف للاستماع إليه ثم تقام صلاة العيد، ويكون هناك مجلس كبير يقيمه حاكم المنطقة أو أميرها يتجمع فيه الناس ويسلمون على بعضهم ويعد لهم الطعام الذي يتكون من الهريس والعصيد والمأكولات الشعبية.
وفي وقت الظهيرة تولم الولائم في المجلس ويتغدى الناس، ثم تبدأ الاحتفالات بعد العصر حيث يجتمع الرجال »للرزيف« وهذه الاحتفالات يشارك بها الأهالي فلا تكون هناك فرق مستأجرة لأنها مشاركة جماعية بالفرح.
ويتحدث الظهوري عن فرحة الأطفال في العيد قائلا: فرحة العيد عند الأطفال تكون في الصباح حيث يمرون على المنازل ليأخذوا العيدية، وبعض البيوت تعطيهم »البرميت« وهي قطع حلوى الملبس كانت الناس تستوردها من دبي في رحلاتهم قبل العيد من دبا إلى دبي.
وهي غير متوفرة في أسواق المنطقة الصغيرة في ذلك الوقت، لذا يكون حضورها في العيد مميزا يتلهف عليه الأطفال وتستطيع الأسر الميسورة شراءه وتوزيعه، وكانت الألعاب النارية هي الخاصة بالأولاد أما البنات فتنصب لهن »المريحانة« .
ويكون لبس الملابس الجديدة له فرحة خاصة في العيد، بينما اختلف العيد اليوم فالناس مشغولة بتحضيراته أكثر من انشغالها به، فالبنات يحضرن للعيد قبل شهرين ويشترين ملابس وعباءات بآلاف الدراهم ويسهرن ليلة العيد في صالونات التجميل حتى الصباح ثم يعدن إلى بيوتهن فينمن طوال نهار العيد ومثلهن الشباب فتجدهم رقود صباح العيد وأول فرحته، وإذا تزاورت النساء فمن أجل أن يعرضن ما اشترين وما فعلن في الصالونات، لذا راحت فرحة العيد مع أيامه الماضية وصرنا نفتقد بهجته وتواصل الناس فيه.
ويتذكر الوالد سالم سعيد لخالدي. أحد مؤسسي جمعية دبا للثقافة والفنون أيام العيد على السواحل فيقول: لا يخرج الناس إلى البحر في العيد فقد كانوا » يجهزون حق العيد« فالنساء يحضرن الهريس واللقيمات وبعد صلاة العيد يجتمع الكل قرب المسجد ويحضرون الاطعمة من البيوت ويتناولون الطعام »رباعة« وكانت فرحة العيد تبدأ قبل أيام من العيد حيث كانت الامهات تخيط ملابس الأطفل فيكون الولد أو البنت ملازما لأمه بانتظار اكتمال خياطة الكندورة.
وفي يوم العيد يدور الأطفال على البيوت يجمعون العيدية وكنا نعرف البيوت التي تعطي عيدية ربع درهم فهذا المبلغ يعد كبيرا أيام زمان وكان الأولاد يتبارون فيما بينهم فيمن حصل على عيدية أكبر وأقصى حد يمكن أن يصل إليه الولد في الحصول على عيدية كبيرة هي حين يحصل على أحد عشر درهما وفي حالات خاصة يمكن أن يصل إلى أربعة عشر درهما.
وكنا نحتفظ بالنقود من أجل أيام المدرسة، إضافة إلى أننا نخبر بعضنا عن البيوت التي تعطي عيدية أكبر.
وعيد الأضحى يختلف قليلا عن عيد الفطر لأن الأهل يشترون خروف العيد قبل عدة أيام من العيد فيقوم الأولاد بإطعامه وإحضار الماء له ويأنسون باللعب معه حتى إذا جاء يوم العيد يهربون من البيت بسبب ذبحه ويحزنون بسبب فقدانه.
وذكريات العيد تحضر بتفاصيل ثرية عند الوالد الحاج ابو عبد الله إذ يبدأ بتحضيرات العيد قائلا: لا يختلف الناس في مناطق الإمارات المختلفة في التحضير للعيد إلا في تفاصيل صغيرة لكن تحري الهلال يكون هو الأهم حيث ينتظر اعلان العيد من مقر الحاكم وحين يتم التأكد من العيد» يثورون المدفع« ويتبعه اطلاق النار الذي ينتقل من منطقة إلى أخرى فيكون اعلانا عن العيد ينتشر بالصوت بين مكان وآخر حتى يصل إلى آخر نقطة في الجبال، وكان الناس المسافرون من المدن إلى الداخل يمثلون رسلا بالأخبار.
حيث يستوقفهم الناس للحصول منهم على الاخبار إذا كان قد أعلن يوم غد عيد، وكان الناس يجتمعون قبل العيد في كل فريج يدقون »الحب« أي الحنطة بشكل جماعي لتحضير الهريس للعيد، ويحرص الناس في أيام عيد الفطر على تناول أطعمة أكثر ملوحة ليعوضوا نقص الاملاح أيام الصوم، ففي صباح العيد منهم من يأكل السمك المالح ويشرب اللبن.
إضافة إلى أن الأطفال يفرحون في العيد إذ أن بعض البيوت لا تطبخ وجبة الغداء للأطفال في رمضان فيشتاق الصغار إلى الأكل الجماعي صباح العيد، وتنشط حركة الناس قبل العيد فتنظف البيوت بشكل خاص وتغسل المساند وتبخر المجالس، وترتب الملابس وتوضع تحت »الدوشك« لتأخذ وضعا مرتبا فتبدو يوم العيد وكأنها مكوية، وإذا كانت الملابس جديدة تنقع بالماء لتلين، وتحضر الناس الحناء والزينة التقليدية من العطور والآس وغيرها من التجهيزات التي تعبر عن الفرح.
ويشير أبو عبدالله إلى أن ألعاب العيد تختلف بين الصبيان والبنات فيقول: المريحانه هي اللعبة الرئيسية للبنات تربط بين الأشجار وتتوجه إليه البنات الصغيرات للعب، أما الأولاد فتكون الألعاب النارية هي ميزة العيد إذ كنا نأخذ ليف النخل ونشعله ونعمل منه حلقات للنار والشرار.
وكان الأولاد يصنعون ألعابهم النارية إذ يقومون بأخذ مفتاح يملأون ثقبه بالكبريت ويضعون في فتحته مسمارا ويضربونه في جدار صلب فيصدر صوتا يشبه صوت إطلاق النار،وتعد تلك متعة الصغار في العيد.
دبي - مريم إسحاق

