مضطرب، متوتر، مكتئب، حائر، فاقد الرغبة والدافعية إلى أي شيء®. هكذا وجد »نديم« نفسه الآن، مثير للحيرة وربما للاستنكار والدهشة والرفض®. أسباب متداخلة مشوشة لا يستطيع نفسه أن يحسم أيها سبب ما هو فيه®.
هل هو انتقام من الذات التي باتت أكثر ما يكره، أم هو نزق ما يعرف بمنتصف العمر أم أنه نتاج للعصيان المتوالي الذي فرغه من أية مضامين جميلة كان يحملها قديما؟
كان يتهم نفسه بالكذب إن زعم أنه يعرف على وجه اليقين أي الأسباب وراء ذلك®. ويحنقه أن يسأله البعض عن سبب ما هو فيه، فالسؤال نفسه ـ وإن حسنت النوايا ـ يزيد الأمر سوءا، ربما يظن البعض أنفسهم قادرين على استيعاب أو استنباط حالته، ويظنهم واهمين لسبب بسيط، وهو أنه شخصيا لا يستوعب نفسه، ولا يفهم كثيرا من ردود أفعاله.
لكنه يدرك جيدا أنه رافض للتوجيه أيا كان نوعه، أو مصدره، حتى لو كان يرى فه الصواب، ربما كان ذلك نوع من التمرد، وربما هو مرض نفسي، وربما رغبة لتغيير شامل لمنظومة الحياة، حياته الخاصة®.
وكثيرا ما تساءل: إلى متى أظل مشحونا بعواطف متناحرة؟ وإلى متى أظل بعيدا عما كنته؟ ولماذا فقدت كل الأشياء بهجتها بداخلي؟ ولماذا بت أتسم بالضعف النفسي والجسدي والذهني؟ أهي النهاية؟ إذن لماذا لا أتأهب لها؟ لماذا أناقض نفسي؟
فمن يرد النهاية يقدم لها ما يعينه فيها®. أما أن أريدها وتناقض أفعالي ذلك فهذا ما لا أفهمه أو أستوعبه®. فهل أصبحت مصابا بفصام الشخصية، أو تعددها؟ ربما علي أن أبحث عن ذاتي وكياني®. أبحث عن ضميري وأخلاقي®. أبحث عن حبي وسالف أحلامي®. أبحث عن ذاتي الأخرى التي لم أعد أعرفها®. وفي ذلك كل مأساتي®.
ما لم يفصح عنه »نديم« أبدا أن سبب معاناته هو الحب، حب »رانيا«، صديقة زوجته الوحيدة، زميلتها طوال دراستهما الجامعية في كلية الهندسة، لفتت انتباهه منذ اليوم الأول الذي جاءت تبارك لزوجته على زفافهما، كانت رقيقة الملامح، متوسطة القامة والجسم، ذات بشرة حنطية محببة، كان كل يوم يمر يزداد تعلقه بها، على الرغم من استقراره في حياته الزوجية وإنجابه طفلين توأمين، في أحد الأيام قرر مصارحتها بحقيقة مشاعره التي لم تكن في حاجة للكشف عنها، فقد أحستها بدورها منذ اليوم الأول، لكنها لم تسمح لنفسها أبدا بالسير في هذا الاتجاه على الرغم من الحصار الوهمي الذي أحاطها به، كانت كل نظراته، همساته، تصرفاته، تؤكد لها أنه غارق في حبها®.
أكد لها أنه لا يطمع في أكثر من أن تفتح الطريق إلى قلبها، وبدورها كانت تدرك جيدا انه ليس من الرجال العابثين الذين يريدون العبث بعواطف الآخرين، ومع ذلك أكدت له أنها لا يمكن أبدا أن تخون صديقتها، حتى ولو أخبرها وأخذ موافقتها على مثل هذا الارتباط المحفوف بالخطر.
واستجمعت »رانيا« شجاعتها وغضبها في أحد الأيام وواجهت »نديم« قائلة: الأهم من كل شيء في سبب رفضي لك هو أنني لا أحمل أية عواطف نحوك، فأنا®. أنا أحب!!
وقعت عليه هذه العبارة كألف ألف قارعة دوت في رأسه وعصفت بأحلامه، وضربت قلبه في مقتل، لكنه استجمع شجاعته وسألها: هل لي أن أعرف من تحبين؟
حبست دمعة كادت تقفز من عينيها وهي تقول في بطء: آسفة، لا يمكنني الحديث عن هذا الأمر!
وهكذا وجد »نديم« نفسه مجددا في أسوأ حالاته®. لا شيء سوى البؤس والألم والقهر والعجز والإحباط والحسرة®. كل المعاني السيئة تجمعت لديه وأصبحت هويته الرئيسية®. أصبح شكله وسره وإحساسه مباحاً ومفضوحاً للجميع، يتقاذفونه ككرة شراب بالية، تنتقل من قدم إلى أخرى، متبوعة بنظرات الشفقة وضحكات السخرية®. ولماذا؟ لماذا أصبح هكذا؟ لماذا أخرج كل مهاراته وحشدها من أجل تعذيب ذاته وكيانه وأحاسيسه®.
حبس نفسه يوما في غرفته وهو ينظر إلى طفليه التوأمين وتساءل: هل أنا أحبها حقاً؟ صمت طويلا قبل أن يجيب: عن نفسي لا أستطيع الجزم بذلك، فبينما أجد كل أحاسيسي ومشاعري وجوارحي مدفوعة إليها بلا عقل أو روية.
وبرغم الرفض المهين من جانبها، وبرغم التباين المريع بيني وبينها، أجد نفسي مدفوعا ومشدودا إليها، لا أدري أهذا هو الحب، أن أحاصر نفسي بالعذاب وأتلظى بناره دون حتى نظرة عابرة من جانبها، فلماذا أبحث عن عذابي بنفسي؟
أأصنع وهماً وأعيش بداخله في عالم الخيال والجنون؟ ربما يكون الوهم مشروعاً إن كان مدعوماً من جانبها، أما أن أصنع كياناً لا يراه ولا يحسه غيري فهو ماذا الحمق أم الحب، الضياع أم الرومانسية، العذاب أم السعادة؟®.
أما لو لم يكن ما أنا فيه هو الحب فماذا يكون؟ خداع، وهم، خيال مريض أسكنت نفسي بداخله، عذاب تلذذت العيش فيه، لا أستطيع حقا أن أحدد أي الشرين أختار، الحب أم وهمه؟ وماذا بعد، لا أحد يهتم، احترق وحدي، اغضب وحدي، لا أحد يهتم®.
حقا لا أدري لماذا أنا هكذا وإلى متى سأظل كذلك!هي أيضا باحت بأمره إلى شقيقتها، والتي سألتها بلا مواربة: ما سبب رفضك الحقيقي له، لأنك لا تحبينه، أم لأنه متزوج من صديقتك؟ فسارعت بالإجابة وكأنها تنفي عن نفسها تهمة مخزية: بالطبع لأنني لا أحبه.
نظرت إليها شقيقتها طويلا قبل أن تقول في صوت حازم: أشك! قالتها وتركت »رانيا« في صراع عنيف مع نفسها، أحقا هي لا تحبه؟ لم تقو على الإجابة الصادقة، ففي أحيان كثيرة كانت تضبط نفسها مشغولة بالتفكير فيه، حقيقة هو لا يحمل من فارس أحلامها إلا القليل، لكنه في الوقت نفسه يحمل الكثير من الصفات الإيجابية التي لا يمكن رفضها، إذن المشكلة الحقيقية في رفضها له أنه متزوج، وهي بالطبع لا تجرؤ على أن تطلب منه أن يطلق زوجته، صديقتها الوحيدة، وفي الوقت نفسه لا تقبل أن تكون نصف زوجة، و®.
فجأة دق هاتفها المحمول، كان هو، ترددت كثيرا أترد عليه أم لا، وحينما تواصل الرنين ضغطت زر الاستقبال فأتاها صوته باكيا وهو يقول: لقد ماتت، فاضت روحها فجأة دونما مقدمات وكأنها تريد أن تفسح الساحة أمامي، فقد كنت أخبرها دوما أنني ربما أتزوج عليها، وكانت تستقبل هذا الأمر بابتسامة واثقة قائلة:
»إن وجدت من ترضى بك وبأبنائك فافعل«®. وحقا كان في نيتي أن أفعل وهي على قيد الحياة، أما وقد رحلت عنها فسأحافظ على رحيلها حتى أرحل أنا أيضا، لذلك أقول لك: آسف حبيبتي، فلن أتزوج بعدها أبدا.
القاهرة - دار الإعلام العربية
