يبدو أن صناع الدراما التاريخية هذا العام قد اتفقوا على تشويه التاريخ والتفتيش عن هزائم العصور الماضية، فاجتمعوا على اختيار شخصيات وحقب تاريخية معينة خالية من الانتصارات التي يزخر بها تاريخ العصور القديمة والوسطى والإسلامية الخاصة بسير العظماء الذين أبدعوا في مختلف ميادين العلم منذ ظهور الإسلام وقبله وبعده®.
فمن مغامرات الملكة نازلي في »ملكة في المنفى« إلى العلاقات العاطفية لكليوباترا إلى المغالطات الواقعية لشيخ العرب همام إلى الجدل المثار حول جماعة الإخوان، دارت الدراما التاريخية هذا العام.تناولت الدراما التاريخية هذا العام شخصية الملكة كليوباترا، أشهر ملكات مصر في العصور الفرعونية، ولم تكن المرة الأولى التي يتم فيها استعراض شخصية هذه الملكة في الدراما التليفزيونية. فقد تناولتها السينما المصرية من قبل في عدة أعمال وتناولتها السينما العالمية أيضاً في فيلم عن قصة للكاتب العالمي وليم شكسبير.
وفيما ركزت تلك الأعمال على النهاية المأساوية للملكة إثر تعرضها للدغة ثعبان بعد هزيمتها من جيش أنطونيو، رفض القائمون على المسلسل إعلان الجوانب المضيئة من حياتها على المستويين الشخصي والسياسي وحكايتها مع زوجها الأمير يوليوس قيصر حاكم البلاد ومساندتها له في السيطرة عليها واكتفوا بإظهار الإخفاقات في حياتها وتعريتها، وأنها كانت زوجة خائنة وعاشقة لألد أعداء زوجها.
مغامرات نازلي
في حين حاولت راوية راشد، مؤلفة مسلسل »ملكة في المنفى«، إظهار الملكة نازلي والدة الملك فاروق وزوجة الملك فؤاد بأنها شخصية جدلية، وأنها بالرغم من مساعدتها ابنها الشاب في الجلوس على عرش البلاد فإنه حرمها من ألقابها الملكية وجردها منها ونفاها مع بناتها إلى الولايات المتحدة لتكمل بقية حياتها هناك بعد أن تورطت في علاقة غرامية مع رئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا، مما أشعل الخلافات بينها وبين الملك فاروق، فتناسى أنها والدته وثأر لشرفه وكرامته، وقرر نفيها بالرغم من أن كثيرا من المؤرخين أكدوا أن تلك الرواية غير دقيقة.
وشوهت تاريخ الملكة نازلي التي تعتبر إحدى ملكات مصر العظام، وقال هؤلاء المؤرخون إن كل ما تعرضت له الملكة في الولايات المتحدة هي وبناتها ليس حقيقياً وإنها عاشت حياة ملكية أيضا وتمتعت بكل حقوقها.
هزيمة درامية
وانتقالا من هزيمة درامية إلى أخرى تاريخية فقد حاول مسلسل »شيخ العرب همام« الذي يتناول قصة حياة أشهر شيوخ قبائل الصعيد إظهار هزائم شيخ العرب المتكررة بسبب خيانة بعض جنوده، بجانب سيطرة أجواء الحزن والكآبة على أحداث المسلسل.
وعلى حد تعبير الكاتب محمد صفاء عامر فالمسلسل احتوى على مغالطات واقعية بعدما تحول إلى صراع بين ضرتين على شيخ العرب همام، فيما أكد عدد كبير من أهالي الصعيد مع بداية عرض حلقات المسلسل أن كاتبه تعمد تزييف تاريخ شيخ العرب همام وتجاهل بطولاته وتضحياته وجمعه بين الحزم والعدل والتسامح.
سقطات تاريخية
وإذا كانت قصة حياة شيخ العرب همام قد تعرضت لمغالطات واقعية، فقد أفرد يسري الجندي، مؤلف مسلسل »سقوط الخلافة«، العديد من السقطات التاريخية، واستعرض الهزيمة تلو الأخرى بعد أن تناول فترة حساسة من التاريخ الإسلامي وهي فترة انتهاء عصر الخلافة الإسلامية، كما استعرض المسلسل كل المؤامرات والخطط الداخلية والخارجية التي هزت كيان الدولة الإسلامية وأضعفتها وجعلتها تنحدر للوراء بعد أن كانت تسيطر على العالم أجمع.
وجعل الكاتب شخصية السلطان العثماني عبدالحميد الثاني الشخصية الرئيسية في المسلسل، واستعرض باقتدار الفتن والدسائس التي كانت تحيط به لقلب نظام الحكم والاستيلاء على العرش.
جدل الجماعة
وبالرغم من معرفة الكثيرين بتاريخ حسن البنا فإن مسلسل »الجماعة« أثار جدلاً كبيراً، ودفع الكثيرين لكسر القاعدة، خاصة أن المسلسل حظي بترويج غير مسبوق من جانب القنوات الأرضية والفضائية بعد أن رسم وحيد حامد الشخصيات على طريقته الخاصة التي اعتبر البعض أنها أمليت عليه، فلم يلحظ المشاهد تحولاً مؤثراً في الخط الدرامي أو في القوالب التي رسمها حامد للشخصيات، حتى أصبح المسلسل التاريخي مجرد سيرة ذاتية للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين أكثر من كونه سرداً لتاريخ الجماعة، إضافة إلى الإسقاطات التي استهدفت ربط الواقع الحالي بتفاصيل النشأة الأولى للجماعة.
وعن هذه السقطة يقول مؤلفه وحيد حامد إن الدراما ليست توثيقاً تاريخياً حتى لو اتخذت شكل العمل التاريخي أو تعامل معها الجمهور على أنها عمل تاريخي، مشيرا إلى أنه من حق كل مؤلف أو مبدع أن يطرح رؤيته الخاصة للواقعة التاريخية التي يعالجها، كما أن من حقه أيضاً أن يضيف أو يحذف في الشخصيات، كذلك يطرح رؤيته الخاصة للواقعة فيضخّم أو يهمّش دور البعض ويبقى الحكم في النهاية للجمهور.
رؤية درامية
وعن تحامله على جماعة الإخوان المسلمين في المسلسل، قال إن ذلك لم يحدث لكنه قدم رؤية درامية لواقع حسن البنا، ولم يخف أي معلومة عن المشاهد، والدليل على ذلك أنه قدم شخصية البنا على أنه شخص متسامح ويعشق الآخر، حيث ظهر في حلقاته الأولى وهو يتعامل بمنتهى الرقة والتهذيب مع شخص قبطي.
أخطاء كليوباترا
بينما تعجب الدكتور زاهي حواس، أمين عام المجلس الأعلى للآثار، من تقديم شخصية كليوباترا، واعتبر أن المسلسل كان بمثابة تسطيح لشخصيتها رغم أنها تنتمي للحضارة الفرعونية التي ينفرد بها المصريون كهوية للمجد القديم والعريق، فمع مشاهدة الحلقات الأولى ظهرت كليوباترا متحررة من كل مرجعيات التاريخ.
ومن كل تعاليم وتقاليد الحضارة الفرعونية الصارمة والمعقدة، وكأن كليوباترا كانت تعيش حياة التحرر التي عاشتها الأميرة ديانا ومغامراتها العاطفية التي هزت عرش بريطانيا، وتناسى المؤلف أنها امرأة قوية اعتلت عرش مصر، وهي في الثامنة عشرة من عمرها في زمن صعب ومليء بالاغتيالات والاضطرابات والمنازعات الأسرية والعائلية.
القاهرة - دار الإعلام العربية

