تعد الموسيقى التصويرية عنصراً أساسياً من مقومات الفيلم السينمائي، وباستطاعة المؤلف الموسيقي البارع أن يلعب دوراً مهماً في الصيغة النهائية المتكاملة للفيلم بإضافة الحيوية على السرد الروائي للقصة.
ولكي ندرك أهمية الدور الذي تلعبه الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية ما علينا إلاّ أن نشاهد فيلماً سينمائياً خالياً من تلك الموسيقى، فعندئذ ندرك حاجة الفيلم الماسة إلى عنصر الموسيقى التصويرية الذي يبعث الحياة في كثير من مشاهده ويحرك عواطف المشاهدين.وقد لا يدرك المتفرج العادي الدور الذي تلعبه الموسيقى التصويرية السينمائية، إلاّ أن هذه الموسيقى كثيراً ما تسيطر على أحاسيسه وتتحكم في عواطفه، واليوم يأخذنا ضيف له دراية بالموسيقى وعالم السينما كي يوضح الصورة أكثر ويقترب من موضوعات الأفلام ويستعيد من خلال ذكرياته معها علاقتها بالناس.محمد سلطان ملحن صاحب باع طويل في مجال الفن والموسيقى، عشق العود.
وقرر أن يحوّل السينما إلى أغنيات فبرع في تلحينها، وكوّن فريق عمل متميزا مع الفنانة فايزة أحمد، وبعد زواجهما كونا معا أهم دويتو غنائي، ورغم وفاتها فإنه لم يشعر بفراقها يوما فهو مؤمن بأن الإنسان أحيانا يدفن ذكرياته مع من يحبه، لكنه مازال يعيش على ذكريات معشوقته رغم مرور سنوات على الرحيل.يعيش الموسيقار الكبير حياة فنية بحتة، فهو يقضي يومه في منزله بجاردن سيتى، وسط القاهرة بين صور الراحلة فايزة أحمد المعلقة في كل مكان، وبين أعماله القريبة جدا من الناس فهو ببساطة شديدة يمتلك مشاعر وأحاسيس تشاهدها في دموعه التي قد تغلبه عند الحديث عن أوجاع الناس.يهوى سلطان السينما ويرى أنها دليل ملموس على واقع الناس وإظهاره على الشاشة.
كما يرى أن الأغاني مؤثر مهم في النجاح السينمائي وهذا هو السبب في دخوله إلى عالم الفن وعالم السينما عندما قدم دورا صغيرا مع سعاد حسني وفؤاد المهندس في فيلم »عائلة زيزي«.
ومن وقتها قرر أن يكون ملحنا لأهم الأغنيات التي تعرض في الأفلام، وخلال لقاء احتوته مكتبته السينمائية بمنزله ومع أجواء ملصقات الأفلام التي شارك بها في أغانيه قرر أن يأخذ قراء (الحواس الخمس) في رحلة سريعة إلي كواليس عالم الفن السابع.
تقليد الغرب
(أي إنسان لديه فكر لن يكون راضيا عما يحدث على الساحة الفنية بوجه عام، ولا يخفى على أحد أن مصر تخلت عن ريادتها في المجال الفني، فأصبح الجميع حاليا يسعى وراء المادة فقط، وأصبحنا نقدم أعمالا بلا لون، أو طعم، أو روح).
يرى محمد سلطان أن معظم السينمائيين حاليا يقلدون الغرب، ولكن هناك فارقا بين الأصل والتقليد، وحجتهم هنا أنهم يسعون للعالمية، وهذا تفكير خاطئ، لأنهم لو علموا أن الأفلام الهندية أصبحت عالمية لأنها حافظت على هويتها لما فعلوا ذلك.
مشيرا إلى أن الوسط السينمائي حاليا مليء بالدخلاء، والجيل الجديد لا يعرف كيف يصون الثروة التي تركناها له، فهم يتفننون في تقديم أعمال غير لائقة، بدعوى أن »الجمهور عاوز كده«، وهذا لا يعنى الخضوع لرغبه الجمهور فلا يجب أن نقول ان الجمهور عاوز مخدرات فنعطيهم مخدرات، وعموما أنا غير راض عن فناني هذا الجيل بنسبة 07%، وإذا استمروا في تقديم أعمال بهذا المستوى سوف ترتفع النسبة لتصل إلى 001%.
تأثير الأغاني
(الأغاني لها تأثير غاية في الأهمية على نجاح الأفلام، خاصة عندما تكون لهذه الأفلام رسالة هادفة وعلى درجة من الاحترام للمشاهد، وغير مبتذلة ولا تعتمد على العري والمشاهد الساخنة وتضيف للفيلم).
يؤكد محمد سلطان أن السبب الرئيسي لانضمام نجوم الغناء إلى عالم السينما منذ سنوات هو أن الفيلم كان البديل للفيديو كليب، بعده بدأت فكرة الفيديو كليب.
وأصبح الفنانون يصنفون ما بين ممثلين ومطربين دون أن يدخل أحدهم في مجال الآخر، لكن بمرور الأيام أصبحت الساحة الفنية مفتوحة للجميع لأن الفيلم له تأثير غاية في الأهمية على البناء الدرامي للفيلم، فنحن نتمكن من إيصال معنى كاملا وإحداث فلاش باك مثلا من خلال أغنية، ولكن لضمان تحقيق ذلك لابد للمطرب أن يراعي صوته وأغانيه ولا يهدرهما ويحترم نفسه ويحترم جمهوره؛ حتى يعود الاحترام متبادلا بين الفنانين والجمهور.
رسالة الفنان
(لو جاءت لي فرصة أن أقول شيئا يفيد أحدا لا أتردد أبدا لأنني أفعله من منطلق وحيد هو أن الفن رسالة، ومن المفترض أن يتعامل كل الوسط الفني على ذلك).
دائما ما يسأل سلطان نفسه، هل أفدت الناس أم لا؟ فلو كل فنان وضع في ذهنه أنه سوف يُسأل أمام الله لفكر ألف مرة قبل أن يقدم موهبة، والحمد لله الأعمال التي قدمتها حققت صدى طيبا لدى المشاهدين وزملائي في الوسط الفني وأصدقائي أيضا.
قاعات السينما
(لاشك أن ظهور الفضائيات أثر على مستوى ذهاب الجمهور إلى السينما بشكل كبير فلم يعد رواد السينما كما كانوا في الماضي ينتظرون عرض فيلم لسعاد حسنى أو شادية أو غيرهما ليذهبوا ويشاهدوا الفيلم وأبطاله ويركزوا فيه).
يتذكر محمد سلطان أن قاعات السينما قديما لم يكن فيها الفيشار (البوب كورن) وأنواع الطعام المختلفة التي يدخل بها الجمهور الآن إلى دور العرض، ولكن زمان السينما كانت فنا موجها بمعنى أن الجمهور يدخل ليشاهد فيلما ويفهمه ويتعايش معه.
وليس لمجرد التسلية والترفيه، لأن الأفلام نفسها كانت ذات مغزى كبير عكس الأعمال الموجودة الآن التي أصبحت تناقش مفاهيم بها تافهه؛ لذلك أعتقد أن العمل المتميز ليس فقط العمل الناجح ولكن هو العمل الذي يحافظ أبطاله على مستوى هذا النجاح لأنه يعرض في الفضائيات كل يوم وغيرها وتأثيره أقوى بكثير من تأثير عرض فيلم واحد.
أبرز الأفلام
(أحتفظ بالأفلام التي تحمل قيمة ومغزى فنيا كبيرا، فهي أعمال حملت مضمونا فنيا وقدمت رسالة هادفة للجمهور، كما أنها شكلت أحد أبرز الأفلام المصرية حتى تاريخنا واحتلت مكانة متميزة في وجدان المشاهدين).
يقول سلطان: من الأفلام التي أحتفظ بها في مكتبي وأجدها تركت علامة في السينما المصرية وقدمت مضمونا اجتماعيا هادفا فيلم »النمر والأنثى« الذي تم إنتاجه عام 7891، بطولة عادل إمام وآثار الحكيم وعايدة عبد العزيز، وإخراج سمير سيف، والذي يتناول مدلولا مهما ويستعرض قضية مهمة هي المخدرات التي أصبحت تمثل مشكلة خطيرة اجتاحت مجتمعنا منذ سنوات كثيرة، كما وضع الفيلم تصورا لبعض العلاقات الشائكة التي تحيط بعالم المخدرات.
ذلك العالم الغامض، ويميز العمل بضخامة المستوى الإنتاجي حيث يوضح طبيعة المخاطر التي يتعرض لها ضباط الشرطة في سبيل القبض على تجار المخدرات من أجل الكشف عن جميع العمليات التي يقوم بها بعض ضعاف النفوس في محاولة منهم لإدخال هذه السموم إلى مجتمعاتنا.
دور الأغنية
(فيلم »عسل اسود« نجح لأنه نقل بشكل واقعي الوجه الآخر لحياة المصريين خلال الفترة الحالية واستعرض التغييرات التي حدثت على السلوكيات الشخصية لرجل الشارع المصري، وتأثيرها على الإيقاع العام لكل ما يحدث في المجتمع).
تأثر الموسيقار محمد سلطان بفيلم »عسل اسود« لبطله أحمد حلمي بشكل كبير، وعن ذلك يقول: وجدته عملا مؤثرا جدا، فموضوعه مزج بين الإحساس والمنطقية ولكنى أريد أن أتحدث عن أغاني هذا الفيلم بالذات حيث تلعب الأغنية في الفيلم دوراً مميزاً؛ لأنها تدخل في النسيج العام للأحداث وترتبط بها على نحو دقيق إذ كان ذلك يتم على عدة مستويات.
حيث استخدمت الأغنية كجزء من الخلفية وهي تمهد للحدث وتبرز تطوره، وقد استغل المخرج أغنية »داليدا«، »حلوة يا بلدي« ليعبر من خلالها عن مضامين كثيرة أهمها الكشف عن مشاعر البطل واشتياقه لوطنه بعد رحلة الاغتراب، ومن آن لآخر يقفز صوت أم كلثوم في المقهى ليعبر عن حالة الألفة الشعبية.
وقد تنوع استخدام الأغنية كخلفية للأحداث داخل الفيلم أو حتى مشاركة في الحدث نفسه مثل توظيف أغنية نانسي عجرم »أنا مصري وأبويا مصري« لتخلق نوعاً من الكوميديا، خاصة أن مطلعها يتوافق مع اسم شخصية البطل في الفيلم، فهي تمهد للحدث عندما يسمع البطل أغنية شيرين عبد الوهاب »ما شربتش من نيلها« ويصاب بحالة تسمم، ظناً منه أن الماء الذي شربه ملوث وتتوالى الكوميديا نتيجة التناقض بين كلمات الأغنية والموقف الذي وصل إليه.
أيضا تقديم أغنية »الورقة والقلم« أقصى حد لمعاناة البطل النفسية، حيث فقد جميع الأوراق التي تثبت هويته وصار ضائعاً بلا مال ولا مأوى وهي بصوت ريهام عبد الحكيم ذلك الصوت الدافئ الرخيم الذي يداعب المشاعر.
ورغم حلاوة الصوت وروعة اللحن فإن المؤلف أيمن بهجت قمر قد ارتكب خطأ فادحاً عند كتابة كلمات الأغنية لأنه ترك التركيز على الحالة النفسية بعد أن أشار إليها في مطلع الأغنية وتحول 081 درجة ليلقي باللوم على »مصر« بلا أي داع مما أفقد الأغنية وظيفتها داخل السياق الدرامي وجعلها محشورة بين الأحداث بطريقة عشوائية.
القاهرة - دار الإعلام العربية


