»قسمتي ونصيبي«®. كلمة نقولها دائمًا في حالات الحزن أكثر من حالات الفرح، كلمة تنطبق حرفيا على ما أُعانيه من بؤس، ليس لأنني فقيرة أو لا أجد مَن يعولني، بل كل هذا مدبر، فأنا فتاة أعمل في محل للملابس الجاهزة في شارع شهير بالقاهرة، أعيش في أسرة متوسطة، تلقيت قدْرًا مقبولاً من التعليم.

ومنَّ الله عليَّ بقدر كبير من الجمال، كنت في كل ليلة أحلم بالفارس الذي سيخطفني إلى حياة أخرى هي حياة أشتري فيها أفخر الثياب ولست أبيعها كما أنا الآن، ولم يصبني ملل انتظار ذلك الفارس، ورغم تقدم الكثيرين لخطبتي، فقد انتظرت مَن يناسبني ومَن أشعر أنه نصفي الآخر.

وجاء أحد جيراني متقدمًا لخطبتي، »راغب« 82 عامًا، شاب تسبقه سمعته السيئة وأخلاقه الدنيئة، علاوة على إدمانه المخدرات، كل ذلك كان كافيا لأن أعلن رفضي له قبل أن أجلس معه دون تفكير، وأبلغت أهلي برأيي وقاموا بدورهم بإبلاغه أن الزواج »قسمة ونصيب«.

وهي الجُملة التي يُفهم منها دائمًا أن طلب الزواج مرفوض، لكن يبدو أن هذا الأمر لم يرق له، ولم يتقبله ببساطه كما يفترض أن يحدث في مثل هذه المواقف خاصة أنه لا توجد علاقة عاطفية تجمعنا، فقد قرر أن يعترض طريقي في كل لحظة أخرج فيها من البيت متوجهة إلى عملي أو عائدة منه، ظل يراقبني في كل مكان كظلي، لكنني رغم ضيقي الشديد بهذا الحصار الخانق لم ألتفت إليه.

واعتبرت الأمر مجرد مراهقة أو غضب مؤقت بسبب رفضي الزواج منه، ومع الوقت سينتهي الأمر وينسى، لكن الأمر لم يكن كذلك أبدا، فقد فوجئت بمصير مرعب ينتظرني على يد هذا المدمن عديم الأخلاق®.

فعندما ضقت ذرعا بحصاره لي وملاحقتي في كل خطواتي، انفجرت ثورتي في وجهه، وهددته بإبلاغ الشرطة إن لم يكف عن ملاحقتي ومراقبتي، لكن ثورتي لم تفلح في رده، بل أتت بمفعول عكسي، حيث هددني علانية أمام الجميع أنه سيشوِّه وجهي بماء النار إذا لم أوافق على الزواج منه.

وهنا بدأ الرعب يتملكني، كنت على يقين أنه لن يردعه شيء عن تحقيق تهديداته، فجلست أفكر في طريقة للتخلص من مطارداته وجنونه دون أن ألحق الأذى بأهلي البسطاء ودون الدخول في مشكلات مع مجرم مثله، فقمت بتغيير الطريق المؤدي إلى عملي حتى أتجنب الالتقاء معه، لكنه كثَّف البحث عني بمعاونة آخرين وتمكن من العثور عليَّ وتعرف إلى مكان عملي، حاولت التجاهل إلا أنه كان عازما ومصمما على شيء لا أعلمه®.

كنت أصبّر نفسي بأنه يريد فقط تخويفي. وجاء اليوم الذي كنت أخشاه، فبعد أن انتهيت من عملي في التاسعة مساءً، فوجئت به ومعه شخصان، فوجئت بهم يقتربون مني، فأسرعت الخطى، لكنهم أسرعوا ورائي حتى لم يعد بيني وبينهم أي مسافة، وفجأة قام أحدهم بوضع كمامة على فمي، وهدَّدني ثانٍ بسلاح أبيض، وأجبروني على ركوب سيارة، وقادوني إلى منطقة زراعية لا يوجد بها أي بشر، حاولت الصراخ خوفًا مما سيحدث، لكن دون جدوى، فقد اختفى الناس جميعًا وبقيت وحدي مع هؤلاء الذئاب.

وقام »راغب« بضربي، وحاول اغتصابي فصفعته مدافعة عن نفسي، لكنه وجه إليَّ ضربات قاسية في وجهي، وقام بمعاونة رفيقيه بمحاولة تمزيق ثيابي، لكنني نشبت أظافري في وجوههم، ورحت أصرخ بأعلى صوتي طالبة النجدة، فلم يجدوا بدا من إلقائي من السيارة وصوته البغيض يلاحقني كفحيح الأفعى قائلا. »في المرة القادمة سأقتلك ما لم أنال غرضي منك«®.

هرعت إلى أقرب قسم للشرطة، كنت أجري في الشارع وكأن أشباح الأرض جميعها تطاردني، وأمام قسم الشرطة انهارت قواي وفقدت الوعي®. وحينما أفقت بعد نحو ساعتين طلب مني الضابط أن أقص عليه حكايتي التي استشف بعض تفاصيلها من ثيابي الممزقة، وحينما أخبرته أنني تعرضت لاختطاف ومحاولة اغتصاب فاجأني الضابط بقوله.

من ثلاثة شبان، فنظرت إليه في دهشة، وقلت له. بالفعل، كيف عرفت؟ لكنه تجاهل سؤالي وطلب مني أن أدلي بأوصاف هؤلاء الشبان وما أعرفه عنهم من معلومات®. فكنت كلما أدليت بمعلومة عقب الضابط قائلا »تمام«، فسألته في دهشة. ما الأمر؟ فأجابني في بساطة مثيرة للدهشة. لقد قضى الثلاثة نحبهم، اصطدمت سيارتهم بعمود إنارة واشتعلت فيها النيران فماتوا حرقا.

القاهرة - دار الإعلام العربية