في ظرف خمسين عاما تقلص عدد قاعات السينما في الجزائر إلى أقل من العشر بينما كان يفترض أن يزيد ست مرات على الأقل بالنظر لتزايد السكان وارتفاع نسبة المتعلمين ومستواهم وتحسن القدرة الشرائية كثيرا بالقياس إلى ما كانت عليه زمن ازدهار السينما. ولقد شكل هذا الموضوع اهتمام عدد كبير من المثقفين واعتبروه مؤشرا قويا لتقهقر التمدن، كون مشاهدة السينما بانتظام فعل حضاري عالي القيمة والإقلاع عنه مؤشر لتدهور الحس العام على حد تعبير الأديب الراحل الطاهر وطار. ولتناول هذا الموضوع طرحت «البيان» الأسئلة على مختصين في الحقل السينمائي للاجابة عنها.

كان أول من تحدث الينا بوجمعة كاراش وهو أخصائي كبير في شؤون السينما أدار متحف السينما الجزائرية اكبر متاحف السينما في إفريقيا على مدار ربع قرن من الزمن حوله الى نقطة إشعاع ثقافي وفني راق تلتف حوله طاقات هائلة من المبدعين وعشاق الفن السابع. ووصف كاراش ما كان عليه الوضع في الستينات والسبعينات وحتى بداية الثمانينات بالزمن الجميل تألقت الجزائر خلاله إنتاجا فتميزت بأفلام رائعة نال احدها «وقائع سنين الجمر» السعفة الذهبية في مهرجان «كان الدولي» بعد ثلاثة عشر عاما فقط من استقلال البلاد.

وقال إن تلك السنوات كانت حلوة سجلت فيها نسبة عالية من الإقبال على المشاهدة في الصالات عبر كامل مدن البلاد. وأكد أن تلك الأجواء الرائعة عكسها في كتاب ألفه عن السينما والسينمائيين لتعيش الأجيال تلك الأجواء ولو قراءة من غير مشاهدة. وقال إن الجزائر في هذا المجال تراجعت كثيرا ولا أعتقد أن بلدا في العالم وقع لمدنه ما وقع لمدن الجزائر. لقد كنا نملأ القاعات يوميا لمشاهدة الأفلام لأن المدينة ربتنا على هذا.

مدينة بلا سينما.. قرية

وكرس محمد ارزقي مومن استاذ الفلسفة في مدينة بجاية الساحلية ما ذهب اليه كاراش وقال» السينما ثقافة كانت حاضرة في المدينة على الدوام تستقطب الناس وتحثهم على التفكير والتحليل كما توفر لهم أوقات التسلية والمتعة والتجدد. وأظن أن الوضع تغير اليوم. وأنا أشفق على شباب اليوم لأنه لا يعرف صالات السينما، بمعنى انه لا يعرف روح مدينته...

فالسينما هي روح المدينة. ومدينة بلا سينما ليست مدينة بل هي قرية كبيرة أو مجرد تجمع سكاني عملاق فابني مثلا في الخامسة والعشرين ولم يسبق له أن دخل صالة سينما.. نعم لم يشاهد قط فيلما في السينما.. ولا أعتقد أنه سيفكر يوما في دخول قاعة سينما... هو وأترابه يكتفون بالفيديو والتلفزيون ... الجيل الجديد على تربية أخرى وباهتمامات أخرى ومعرض لتيارات غير تلك التي ازدهرت السينما فيها في المدن الجزائرية. لقد كان الناس يتواعدون ويدخلون معا إلى السينما .

الجزائر ــ مراد الطرابلسي