لا يعرف بقيمة الأشياء إلا من حرم منها، وكثيرة هي الأمثلة والحِكم التي قيلت في هذا الشأن ومنها: كي تدرك قيمة عيناك جرب أن تتحرك في الظلام، ولكي تدرك قيمة الصديق اخسر واحداً، ولكي تدرك قيمة الحبيب أفقده.

ولكي تدرك قيمة الحياة اسأل من يعاني سكرات الموت، ولكي تدرك قيمة الأبوين أسأل اليتيم الذي حرم حنانهما، ولكي تدرك قيمة الصحة اسأل من يعاني مرضاً عضالاً®.

مئات الأمثلة الواقعية تحاصرنا ونحن نغمض أعيننا، ولا نريد أن نرهق أذهاننا باستخلاص مغزاها، ففي الحياة من الصور الإنسانية ما يعجز أمهر كتاب الدراما والتراجيديا عن البوح به®.

ومنها هذه الصورة التي دارت أحداثها في إحدى المستشفيات، كان هناك مريضان طاعنان في السن في غرفة واحدة، كلاهما مصاب بمرض عضال، أحدهما كان مسموحاً له بالجلوس في سريره، لمدة ساعة يومياً بعد العصر، ولحسن حظه فقد كان سريره بجانب النافذة الوحيدة في الغرفة، أما الآخر فكان عليه أن يبقى مستلقياً على ظهره طوال الوقت، فكان المريضان يقضيان وقتهما في الكلام، دون أن يرى أحدهما الآخر، لأن كلاً منهما كان مستلقياً على ظهره ناظراً إلى السقف، تحدثا عن أهليهما، وعن بيتيهما®.

وعن حياتهما، وعن كل شيء، طفولتهما، شبابهما، أبنائهما الذين تخلوا عنهما بعد أن أصبحا في سن العفاف®. كان بداخل كل منهما شلال من الدموع الحبيسة التي تعلن ما يتعرض له الآباء من ظلم حينما يعتقد الأبناء أن رسالتهم في الحياة قد انتهت، وأنهم صاروا عبئاً يعوق طموحاتهم وأحلامهم®.

لكن الرجلين لم يسمحا لدموعهما بأن تهزم ما بقي لهما من اعتداد بالنفس، فكانا في كل يوم بعد العصر، يجلس الأول في سريره حسب أوامر الطبيب، وينظر إلى النافذة، ويصف لصاحبه ما يدور خارجها في العالم الخارجي، وكان الآخر ينتظر هذه الساعة بكل لهفة كما ينتظرها الأول، لأنها تجعل حياته مفعمة بالحيوية، وهو يستمع لوصف صاحبه للحياة في الخارج.

راح الثاني يتخيل الحديقة التي تطل عليها المستشفى والتي لم يرها حين قدومه كونه كان غائبا عن الوعي، وذلك من خلال شرح الأول الذي أوضح أن الحديقة بها بحيرة كبيرة يسبح فيها البط، يقذف الأولاد فيها زوارقهم الورقية، وتنطلق ضحكاتهم مدوية وهم يلعبون حول الماء.

والجميع يتمشون حول حافة البحيرة في سعادة غامرة، وهناك آخرون جلسوا في ظلال الأشجار، أو بجانب الزهور ذات الألوان الجذابة®. ومنظر السماء كان بديعاً يسر الناظرين®.

وفيما يقوم الأول بعملية الوصف هذه، كان الآخر ينصت في ذهول لهذا الوصف الدقيق الرائع، ثم يغمض عينيه ويبدأ في تصور تلك المناظر البديعة، للحياة خارج المستشفى، وفي أحد الأيام وصف الاحتفالات الكرنفالية بقدوم العيد، والفرق الموسيقية التي تتبارى في عزف مقطوعاتها، وعلى الرغم من أنه لم يسمع عزف هذه الفرقة®. إلا أنه كان يراها بعيني عقله من خلال وصف صاحبه، ومرت الأيام والأسابيع وكل منهما سعيد بالآخر®.

وفي أحد الأيام جاءت الممرضة صباحاً لإعطائهما علاجهما كالمعتاد، فوجدت المريض الذي بجانب النافذة قد قضى نحبه خلال الليل، ولم يعلم الآخر بوفاته إلا من خلال حديث الممرضة عبر الهاتف وهي تطلب المساعدة لإخراجه من الغرفة، فحزن عليه أشد الحزن®.

وعندما وجد الفرصة مناسبة، طلب من الممرضة أن تنقل سريره إلى جانب النافذة®. ولما لم يكن هناك مانع فقد أجابت طلبه، ولما حانت ساعة بعد العصر وتذكر الحديث الشيّق، الذي كان يتحفه به صاحبه انتحب لفقده®.

لكنه قرر أن يحاول الجلوس، ليعوض ما فاته في هذه الساعة، وتحامل على نفسه وهو يتألم، ورفع رأسه بصعوبة شديدة مستعيناً بذراعيه، ثم اتكأ على أحد مرفقيه وأدار وجهه ببطء شديد®. تجاه النافذة لينظر إلى العالم الخارجي كما كان يفعل صديقه الراحل، وهنا كانت المفاجأة®.

لم ير أمامه إلا جداراً أصم من جدران المستشفى، فقد كانت النافذة تطل على ساحة داخلية®. نادى الكهل الممرضة وسألها إن كانت هذه هي النافذة، التي كان صاحبه ينظر من خلالها، فأجابت إنها هي®.

مؤكدة أن الغرفة ليس فيها سوى نافذة واحدة، ثم سألته عن سبب تعجبه، فقص عليها ما كان يرى صاحبه عبر النافذة وما كان يصفه له®. وهنا كان تعجب الممرضة أكبر بكثير، إذ قالت له: لكن المتوفى كان أعمى، ولم يكن يرى حتى هذا الجدار الأصم®.

رأت علامات الذهول والحسرة تقفز من عيني الكهل الذي انكمش في سريره وبدا وكأنه في لحظاته الأخيرة، فأضافت بإشفاق: لعله أراد أن يجعل حياتك سعيدة، حتى لا تُصاب باليأس فتتمنى الموت.

القاهرة - دار الإعلام العربية