يلعب التصوير دوراً مهماً في إثارة انتباه المتفرج، لأن التصوير يضم الكثير من الحيل السينمائية والإمكانيات التي تعمل على خلق الإثارة والانبهار، وتتحدد قدرته على جذب المتفرج تبعاً إلى حجم اللقطة، وحركة الكاميرا، واختيار زوايا التصوير، ومستوى الكاميرا، والإضاءة والتظليل، والتقطيع (المونتاج).
فضلاً عن أن الصورة في السينما يتم ترتيبها بشكل جمالي وتنظيمها بأسلوب يقترب إلى الواقع البشري، وبالتالي تبقى اللقطة السينمائية المنفردة هي الوحدة الأساس في بناء الفيلم والذي تكسبه المعنى المتسلسل المتماسك إذا تم ربطها مع بعضها لتكوين المشاهد.واليوم يأخذنا ضيف متخصص من هذا المجال يلقب ب(أبو الصورة السينمائية) ليسلط الضوء على الأفلام ومسيرتها في حياته وحياة الناس ماهر راضي واحد من أهم أساتذة التصوير في مصر، معروف بقدرته على التعامل مع الكاميرا بفنية متميزة.
درس الفن السينمائي منذ نشأته وقرر أن يكون طريقه هو الفن السابع، فحصل على بكالوريوس المعهد العالي للسينما قسم التصوير عام 1976 ثم ماجستير في التصوير السينمائي 1938 وأخيراً حصل على الدكتوراه في فلسفة الفنون السينمائية 1987.أسهم في الكثير من إدارات التصوير، فأجاد التفاصيل الحرفية في فيلم »الجحيم« عام 09180 عندما انتقى زوايا اللقطات وجمال الصورة والألوان وأبرز ديكور نهاد بهجت في توظيف درامي متكامل من خلال فيلم »الأفوكاتو« الذي قدمه عام 1948.
وحقق مستوى حرفياً مميزاً في كل مشهد من خلال فيلم »أيام الغضب« في 9198 فاهتم اهتماما لافتا بزوايا الصورة في أفلامه، خاصة درجات الظلال والديكور المعبر عن الأجواء النفسية والحركة المتدفقة من داخل الكادر فلقبه المخرجون بـ »أبو الصورة« لتفوقه المهني.
ألف كتاباً بعنوان »فن الضوء« حول فن الرسم بالضوء وتأثير الإضاءة على الفن، متحدثاً فيه عن أهمية الإضاءة وأهدافها أمام الكاميرا في البناء الدرامي، ويعد هذا الكتاب من النوادر في هذا التخصص، وكان ل(ماهر راضي) هذه المشاركة مع (الحواس الخمس) في معرفة الأفلام التي شكلت جانباً نفسياً في حياته، وأثرت قيمها في المجتمع.
الصورة والضوء
(من دون الإضاءة لا يمكن أن تكون هناك صورة ضوئية ومن دون التعامل مع الضوء للحصول على معنى تكون القيمة الفنية للصورة منقوصة، ويعنى ذلك أن أهمية الضوء في الصورة السينمائية يستند إلى جانبين أحدهما علمي والآخر فني).
يرى راضي أن الضوء ما هو إلا أداة لخروج الصورة السينمائية، ويتضح ذلك علمياً لأن التصوير الضوئي هو عملية تهدف إلى تسجيل تأثير الضوء على سطح حساس وذلك بالاعتماد على تغيرات طبيعية كيميائية ضوئية بما يؤدي إلى تكوين ما يعرف بالصورة الكامنة القابلة للإظهار لتكون مرئية بالعين المجردة بعد معالجتها كيميائياً بمواد مطهرة.
أما على المستوى الفني فالإضاءة لا يقتصر دورها على مسألة النقل من خلال التسجيل وإنما تتجاوز ذلك إلى مرحلة التعبير، فهي وسيلة للتعبير الفني، ولذلك فنظرية الرسم بالصورة الضوئية هي المسألة التي ترفع مستوى التصوير الضوئي كعمل فني لتجعله من فنون الدرجة الأولى.
وعالم الفيلم السينمائي، كما يراه أبو الصورة السينمائية، هو عالم يتصف بقوة تأثيره على جمهور مشاهدي السينما، فهو عالم ساحر يفرض الموضوع الذي يدور في الفيلم على المشاهد وينفذه العاملون في الفيلم ويستقبله المتفرج الذي يشاهده، ولذلك فهو عالم مصنوع يقوم العاملون في الفيلم بصناعته كل في مجال تخصصه مستخدمين عناصره الفنية والتقنية في التأثير على المتفرج.
السينما والمجتمع
(لابد أن يحمل الفنان فكرا يسعى للتعبير عنه من خلال العمل الفني لأن العمل دائما يعبر عن أفكار صانعيه والأفكار هي التي تمنح الفنان قوة التعبير، ومن ثم فإنها تؤثر في المجتمع إذا كان الفنان مؤثرا فيها) يؤكد راضي أن السينما ليست هي المؤثر الوحيد للفيلم.
ولكن الاثنين يؤثران في بعضهما لأن الفنان يبحث عن الأفكار في المجتمع حتى يتأثر بها ويسعى للتعبير عنها ومن ثم يخرجها في فيلم سينمائي، يتعامل معه المشاهد على أنه واقع ملموس يرى فيه كل القضايا ويتأثر بها سلبيا وإيجابيا عكس الواقع الذي يعيش فيه والذي يستحيل أن يتلمس فيه كل إيجابياته وسلبياته.
إذاً يمكن القول ـ والحديث على لسان راضي ـ بأن السينما هي واقع ملموس ومؤثر لدى المجتمع لا يمكن الاستغناء عنه، وأن الأفلام المصرية لم تكن تصل في يوم من الأيام إلى صورة سينمائية مميزة لولا هيمنة الأفلام الأميركية عليها ومقارنة المشاهد بين الصورة والإضاءة والديكور والأساليب التكنولوجية التي تستخدمها الأفلام الأميركية وبين الأساليب التي تستخدمها الأفلام المصرية، فلا يمكن أن نقارن بين فيلم »دراكولا« الذي تم تقديمه في السبعينات ومستوى الأفلام المصرية التي قدمت وقتها، ولكن يمكن أن نقول إننا تأثرنا في إخراج فيلم مثل »الإنس والجن« بفيلم »دراكولا« في الأساليب المرعبة.
ويمكننا أن نقارن بين الصورة في فيلمي »التعويذة« و»الإنس والجن« لنجد أن الأخير ظهر متأثراً بالتكنولوجيا الأميركية؛ لتتأكد مقولتي بأنه لولا هيمنة السينما الأميركية لما وصلت السينما المصرية لما عليه الآن.
أفلام الرعب
(السينما المصرية حافلة بالعديد من الأفلام المؤثرة في حياة الشعب المصري والعربي أيضاً سواء من خلال موضوعها المتميز أو من خلال المستوى المهني الذي تم تقديم هذه الأفلام من خلاله، وخاصة أفلام الرعب).
يتذكر ماهر راضي في هذا الصدد فيلم »الإنس والجن« الذي شكل جانباً نفسياً، وصمم أسلوباً جديداً من الصعب أن يتواجد في السينما الآن ويحكي عن هذا الفيلم فيقول: هو فيلم أنتج في 5891 بطولة عادل إمام، يسرا، عزت العلايلي، إخراج محمد راضي.
وفكرته تدور حول الصراع بين العلم والخرافة في ظل إصرار لكل أبطال العمل على أن ما يحدث في الفيلم هو مرض نفسي وليس حقيقة، وعندما يتوجهون إلى المشعوذين لا يأتون بنتيجة فيلجأون للدين لكي تنتهي المشكلة بإحراق الجن.يشير راضي إلى أن هذا الفيلم أثر في العديد من الجماهير وترك قيمة نفسية واجتماعية يتطلبها البشر بالفعل.
وأحداثه تتكرر في المجتمع بكثرة، وهذا الفيلم إذا نظرنا إلى صورته فلا يمكن أن ننسى عناصر الرعب الموجودة فيها والتي تؤثر على المتفرج، فالفيلم يتناول كائنات الليل والظلام فهو نوعيه تعتمد على إثارة غريزة الخوف عند الإنسان ومن ثم تستخدم التوتر والتشويق باعتبارهما أسلوبين أساسيين في التناول الفني الذي يختص بفيلم »الإنس والجن«.
أيضاً من الأفلام التي لها بصمة كبيرة عند جمهور السينما، فيلم »الهروب من الخانكة« إنتاج العام 6891، ويدور حول صراع الأخوة لتقسيم الميراث بين بعضهم البعض، لدرجة أن هذا الصراع يصل للقتل، وتقع ضحيته شخصية ليس لديها أي ذنب غير معرفتها بالمشكلة، وتدخل مستشفى الأمراض العقلية إلى أن تظهر الحقيقة، وهذا الفيلم أيضاً يوضح الصراع النفسي الذي تعيش فيه النفوس البشرية والتي من أجل المال تقوم بالكثير من القتل والظلم والغدر وغيرها. ومن الأفلام الأخرى الرائعة التي لابد من التوقف أمامها فيلم »أيام الغضب«.
وهو من الأفلام المهمة التي تناقش تحول المجتمع لشكل مادي، ومن ثم انهيار القيم والأخلاق والمبادئ، وتدور أحداثه في مستشفى الأمراض النفسية، وذلك ليعبر عن المجتمع بشكل عام، ويمثل صورة نقدية للنظام السائد وقوانينه من خلال بعض الإسقاطات الدرامية الرمزية.
ويؤكد ماهر راضي أن ما يميز الفيلمين الأخيرين »الهروب من الخانكة« و»أيام الغضب« هو أسلوبهما الذي يميل للمدرسة التعبيرية، وهي أصعب أشكال السينما، موضحاً أنه شخصياً متأثر بها جداً وكذلك المجتمع؛ لأنها تخاطب الحس البشري للإنسان، وتعالج قضايا نفسية ويتأثر بها المجتمع بشكل كبير، وارتبطت بمستشفيات الأمراض العقلية؛ لأنها المكان الأكثر حرية، فبها يمكنك أن تقول أي شيء على لسان مجنون غير أن كلامهم يشعر به الجمهور سريعاً لوجود عاطفة بينه وبينهم، ولذلك هذه الأفلام تركت قيماً وأخلاقاً، وناقشت قضايا حقيقية بشكل كبير.
أفاتار والكبار
(من أهم الأفلام الأجنبية التي شاهدتها في حياتي كان فيلم »أفاتار«، وهذا الفيلم في رأيي يمكن أن يدرس سينمائياً لأن به من الصورة ما يوضح أن الخيال العلمي ما هو إلا حقيقة واقعة في تاريخنا المعاصر).
يسترسل ماهر راضي كلامه مؤكداً أن - الخيال العلمي - تمكن من تأكيد العلاقة العضوية بين الفن والفكر في الضوء، وذلك من خلال لقطات ومشاهد تمكن المصور والمخرج جيمس كاميرون فيها من أن يخرجا العالم الثاني إلى واقع مجتمعي يستطيع أن يقول كل شيء وأن يعبر عن نظرية أهمها أن الأميركان يتمكنون من غزو أي مجتمع حتى لو كان مجتمعهم، ولذلك أعتقد أن هذا الفيلم هو علامة مؤثرة في تاريخ السينما الأميركية والمصرية أيضاً.
أما عن آخر الأفلام المصرية التي شاهدها ماهر راضي فيقول: كان فيلم »الكبار« لزينة وعمرو سعد، وتدور أحداثه في العالم النفسي للمحامين، وهذا الفيلم رغم ما به من سقطات كثيرة في الصورة، والإضاءة التي لم تتمكن من إظهار الصورة بالشكل اللائق فإن مؤلفه تمكن من إظهار الحالة النفسية للمرتشين الذين يبيعون شرفهم وهو فيلم أعتبره تجربة سينمائية شبه ناجحة لمخرج مبتدئ.
القاهرة - دار الإعلام العربي


