الانتظار الطويل في المطار قد يكون مملاً لكثير من الناس، لكنه بالنسبة لي فرصة للمشاهدة، أسواق المطارات تمتلك سحرها المميز، وكذلك المسافرون المسرعون والمنتظرون المتذمرون، المرتبكون والخائفون، وكذلك السعداء برحلاتهم، كل تلك المشاهد تجعلني أفكر بالمشاعر الإنسانية وتعقيداتها وتفاصيلها الكثيرة.

كنت أجلس في مواجهة السوق الحرة بانتظار الاعلان عن رحلتي وقد آثرت أن أتخذ مكاناً يسهل لي مشاهدة أكبر مساحة ممكنة من المشهد، في تلك الأثناء كانت السيدة الستينية تقترب مني بخطى وئيدة بينما يسندها شاب عشريني وسيم جداً، وقد كان مشهد الأم وولدها عاطفياً ومؤثراً، جعلني أركز انتباهي لأستمتع بالحديث الدائر بينهما.

بينما استأذن الشاب مني ليجلس السيدة كبيرة السن بجانبي، رحبت بها بينما تركنا الشاب وذهب ليحضر شيئاً على ما يبدو، وهو يردد كلمات حب طالباً رضا أمه وعفوها.

ابتسمت للسيدة وقلت لها ولدك يحبك كثيراً، حفظه الله.

فقالت: هذا ليس ولدي وقصتي معه طويلة جداً، انه نعمة من الله، الآن أدركت كم يحبني الله بوجود هذا الولد في حياتي.

تملكني الفضول وأنا أحاول معرفة قصة السيدة وابنها الذي ليس ابنها، لذا حاولت معرفة السر، فاعتدلت في جلستها وقالت: تزوجت وأنا في العشرين من عمري، وصرت أماً لأربعة أولاد وكان زوجي رجلاً ميسور الحال كثير السفر ولم أكن أسأل أو أدقق كثيراً في رحلاته، حتى جاء البيت ذات يوم ومعه طفل رضيع وقد استقبلته بهدوء ولم أشأ أن أزعجه بالسؤال الكثير، لكنه بادرني قائلاً قد تتساءلين ابن من هذا الطفل وعلي أن أخبرك القصة كاملة، هذا ابني تزوجت أمه وأخفيت موضوع زواجي عنك، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكتشفي الأمر مع وجود مأساة كبيرة فيه، منذ أسبوع توفيت أم الصغير بعد ولادته بعدة أيام، كنت أحاول أن أجد طريقة أربي بها هذا الصغير بأمان لكني لم أجد، فوالدا المرأة كبيران بالسن ولا يقويان على رعايته، وقد تركته عند أحد معارفي لكني وجدت الأمر صعباً، وها أنا آتي به بين يدي لأترك لك الخيار فيما تفعلين.

كنت مصدومة تماماً بالخبر، لم أعرف ما أقول وكنت على وشك أن أصرخ به اذهب أنت وابنك إلى الجحيم، لكن الطفل بدأ بالبكاء ووجدتني أذهب لحمله بشكل لا إرادي، وما أن حملته بين يدي حتى رق قلبي له وبكيت فأنا أم ويصعب علي أن أقسو على طفل يتيم ليس له سواي، ومن دون وعي مني قربته إلى صدري وأرضعته، خاصة أن أخاه لا يزال رضيعاً، كنت غاضبة من زوجي جداً، فطلبت منه أن يترك الصغير ويبتعد عني لمدة.

أخذت الطفل وحممته بدلت له ثيابه وقررت أن يكون واحداً من أبنائي، حين سألني أخوته عنه ومن أين أتى اكتفيت بالقول انه أخوكم وهو ابني ولم أزد لأن الشرح يكون صعباً في تلك الأمور، خرجت إلى السوق اشتريت له ما يحتاج وصرت أما لخمسة أبناء أصغرهم مصطفى، وقد بدأ الرضيعان يكبران معها وليس بينهما فرق في العمر سوى شهرين، لم أعد أفكر بموضوع الضرة وكيف كانت صدمتي بخبرها، فقد تغير زوجي تماماً عن ذي قبل، لم يعد يسافر كثيراً وكان يهتم بي وبأبنائنا بشكل كبير.

مرت الأيام حتى صار مصطفى في الثالثة من عمره، فأصابه مرض جلدي غريب، عرضته على مختلف أطباء البلد ولم أجد علاجاً له حتى وصفوا لي طبيباً في ألمانيا، فتركت أبنائي وسافرت مع زوجي وبدأ الطفل يخضع للعلاج لعدة أشهر حتى عدت وهو سليم تماماً، وكانت فرحتي لا تصدق فلم أكن لأحتمل أن يمرض هذا الولد الذي وضع الله حبه في قلبي.

مرت السنوات وأبنائي يكبرون متفوقين في الدراسة وجادين وقد بذلنا أنا ووالدهم جهداً كبيراً لنجعل حياتهم سليمة وتمشي باتجاه النجاح، تخرجوا من الجامعات وبدأوا بشق حياتهم وتكوين أسرهم ولم يبق معي سوى مصطفى الذي تخرج طبيباً منذ أربعة أعوام، وقد بدأت متاعب التقدم في العمر تلاحقني حتى أجهزت على كليتي وقرر الطبيب أن لدي فشلاً كلوياً في كلتيهما، وأن لا أمل في نجاتي إلا بوجود متبرع بكلية لي لأنقاذ حياتي.

هرع أبنائي الى المستشفى لكن مصطفى لم يمنح لأي منهم فرصة إجراء الفحص الطبي لمطابقة الكلية، فقد أجرى الفحوصات وقرر السفر معي لإجراء عملية منح وزرع الكلية، لم أكن لأرضى أن يكون هو دون أبنائي من يفعل ذلك، لكنه فاجأني أن عرف بعد تخرجه بأيام بأني لست أمه، وأن والده أخبره بكل شيء لذا فإن أقل ما يفعله هو أن ينقذ حياتي كما أنقذت حياته، رفضت الأمر عدة مرات لكن انتكاستي الصحية الأخيرة جعلته يحجز تذاكر السفر ويرتب أمور المستشفى ليذهب معي لإجراء العملية.

كنت مندهشة من قصة تلك السيدة ولم أفق إلا على صوت مصطفى وهو يجر حقائب والدته ويشكرني أني بقيت معها هذه المدة.

دلال جويد