يقول البعض ان السينما ملهاة للشعوب ويعتبرونها مجرد تسلية، في حين يؤكد الغالبية بأنها فن ينعكس فيه طبيعة العصر أو هي لون من ألوان الدعوة تعيد للإنسان نفسه ومشاعره، ويراها العقلاء (ضميراً) وتحت هذه الكلمة أُلف خط ينذر برسائل تنبئ أحيانا بالخطر المقبل.
كما تخاطب الميول الإنسانية لمعايشة الخيال والأساطير الخرافية، أما أصحاب (البيزنس) فيعلمون أنها صناعة تدر الملايين، ومن أجل ذلك يوظفون لها التكنولوجيا والتقنية لجذب الجمهور من خلال الشاشات العريضة والصوت المجسم والمؤثرات المبهرة في الصورة.واليوم يأخذنا ضيف له دراية بعالم السينما كي يوضح الصورة أكثر ويقترب من موضوعات الأفلام وأسواقها ويستعيد من خلال ذكرياته معها علاقتها بالناس.محمد سلطان ثاني، مساعد مدير دائرة أراضي وأملاك دبي، من عشاق السينما والمولعين بعالمها الساحر، بدأ مشواره في منتصف الثمانينات بعد عودته من دراسته بأميركا بالعمل في مجالها.
ومن خلال بلاط صاحبة الجلالة اختار »البيان« لتكون منبرا يطل منه على جديد صالات عروضها، ويقترب من جمهورها بمعلومات وصور عن أشهر نجومها وأهم أفلامها.مسكون عقله بالأفلام التي تحتوي على قصة وفكرة لامعة، خبرته كناقد سينمائي وعضو لجان تحكيم في مهرجانات سينمائية، جعلته كما يقول (يشم) الأعمال الجيدة من ملصقها الإعلاني، في مخزون ذكرياته العديد من اللقطات المهمة لأفلام تركت بصمة مميزة في تاريخ السينما، كانت تلك اللقطات مشروع كتابه »مشاهد لا تنسى« الذي أوقفه العمل الإداري ومشاغل الحياة.مفتون بأعمال مارتن سكورسيزي، لا يمل من المشاهدة المتكررة لأفلام مثل (دكتور زيفاجو)، (تاكسي درايفر)، (بلاتوه).
و(نتورك)، أدخلنا معه في تجربة استعادة ذكرياته لعالم الصحافة من جديد، وذهب بنا إلى شركة »سكوب« لتوزيع أفلام ال«دي في دي«، المكان الذي كان ولا يزال يستقي منه المعلومات والتفاصيل الجديدة في سوق السينما، حميمية علاقته بصاحب الشركة »يوسف شريف« جعلتنا ندخل كل الأماكن.
ونصور ما نريد دون استئذان، وسر هذه العلاقة تكمن في كون يوسف المواطن الوحيد الذي يعمل في مجال تسيطر عليه جنسيات أخرى، وخلال السطور التالية يأخذنا محمد سلطان ثاني في وقفات سينمائية، يحلل ويقرأ ويكشف الأفلام بوجهة نظر مغايرة، تعكس في مجملها رؤية خاصة ممزوجة بخبرة وعبق السنين.
سحر السينما
(السينما ما زالت تحتفظ بسحرها ومقدرتها على نقل الشخص إلى أجواء مختلفة، فالفترة التي تطفأ فيها الأنوار تصنع علاقة خاصة بين المشاهد والشاشة، فيعيش مع الأفلام حالة يرصد فيها عالم آخر).
مدخل نقل من خلاله محمد سلطان ثاني حبه الشديد لعالم الأفلام، لكنه يقارن بين سينما زمان والآن قائلا: هناك فرق بين مرحلة الثمانينات والفترة الحالية، ويمكن أن يتم تقسيم ذلك إلى شقين الأول تقني من حيث شكل صالات السينما وإمكانياتها التكنولوجية والتي تعرض كل أنواع الأفلام (الديجيتال، الآي ماكس، والثلاثية الأبعاد) بجودة عالية صوت وصورة، هذا بخلاف عدد الصالات والتي تعدت أكثر من 200 قاعة عرض، وقديما كان هناك صالتا عرض أفلام فقط (الحمراء) في الشارقة و(النصر) بدبي.
وكان الجمهور الذي يذهب إليهما ذائقته عالية ومتميزة ومن الواضح أن هذا الجمهور منتشر على عدد الصالات الحالية ولذلك لم نعد نرصدهم بشكل أفضل، أما الشق الثاني فيرتبط بنوعية الأفلام التي اختلفت، فبعد أن كانت تعتمد على القصة والحبكة، أصبحت تعتمد أكثر على المؤثرات وتقنية الكمبيوتر، وكنا قديما نصف أفلام الأكشن بأنها أفلام هندية، ويبدو أن كل الأفلام الأميركية الحالية أفلام هندية من هذا المنطق، وهي التي أفرزت جمهورا يميل أكثر إلى الترفية والتسلية، لكن هذا لا يمنع القول بأن هناك أعمالا تمثل لعاشق السينما جواهر أو الماسات يتمنى أن يشاهدها أو يقتنها.
صعوبة المجال
(الكتابة للصحف اليومية يختلف تناولها عن المجلة المتخصصة، وكانت الكتابة عن السينما قديما صعبة وترتبط بثقافة الجمهور في ذلك الوقت، الذي يهتم بمعرفة حدوتة الفيلم أكثر من التركيز على التحليل أو النقد).
يتذكر محمد سلطان ثاني فترة عمله السابقة محررا في مجال السينما بجريدة البيان، فيقول: كانت لدي ردة فعل الجمهور دائما لأنني كنت أتابع وأواظب على الذهاب إلى صالات السينما، ووقتها كان هناك شغف بمعرفة معلومات عن الأفلام وأبطالها، هذا بخلاف التواصل مع القراء من خلال خطاباتهم وأسئلتهم وطلباتهم التي لا تنتهي عن صور الممثلين وموعد طرح الأفلام في الأسواق، وكان الفيلم في تلك الفترة يعرض في أميركا ثم بعد 6 أو 8 شهور ينزل الإمارات.
كما كانت المعلومات في هذا المجال صعبة عن الأفلام وصناعها، ومصدرنا الوحيد فيها هو المجلات الأميركية التي تشترك الجريدة أسبوعيا أو شهريا فيها، ولكن الوضع اختلف الآن وثقافة الجمهور تطورت مع طفرة وسائل الإعلام وظهور الفضائيات والانترنت، وأصبح عرض الأفلام يواكب التوقيت نفسه لانطلاقها في صالات السينما الأميركية، كما أن شركات الإنتاج والتوزيع ساهمت من خلال مواقعها على شبكة الانترنت في تسهيل الحصول على معلومات حول أحدث الأفلام وأبطالها ومواعيد طرحها في صالات السينما في جميع أنحاء العالم.
إبهار بصري
(الملاحظ حاليا أن أفلام الأكشن والكوميديا هي التي تسيطر على سوق السينما، أما الأفلام الجادة فالإقبال عليها ضعيف لأنها تحتاج إلى جمهور مختلف يفكر فيها ويجهد ذهنه على فهم رسائلها).
يؤمن محمد سلطان ثاني أن الفيلم الجيد والمتميز هو ذلك العمل الذي يدفعك بعد الخروج منه إلى التفكير فيه وتحليل محتواه، ومن هذه النوعية كما يقول، فيلم »ناين ـ تسعة« والذي عرض في افتتاح مهرجان دبي السينمائي وعرضته صالات السينما المحلية منذ شهور.
حيث يرى أنه من الأعمال التي يمكن وصفها بأنها ليست جماهيرية بمواصفات هذا العصر، رغم ما يحتويه من متعة في طريقة عرضه وأسلوبه الموسيقي والاستعراضي الراقص، والمزج بين مشاهد السينما وشكل المسرح، وتدور أحداثه حول مخرج في أواخر الأربعينات يؤدي دوره البريطاني دانيال دي لويس يعاني من أزمة منتصف العمر التي تتركه عاجزا عن الإبداع في عمله وغارقا في دوامة من المشكلات العاطفية.
وبينما يحاول الانتهاء من آخر أفلامه عليه الموازنة بين عدة نساء، من هؤلاء النساء زوجته لويزا التي تؤدي دورها الممثلة الفرنسية »ماريون كوتيلار« وعشيقته كارلا وتؤدي دورها الاسبانية »بينلوبي كروز« وبطلة فيلمه موزي وتؤديها الممثلة الاسترالية »نيكول كيدمان« وأمينة أسراره ومصممة الأزياء »جود دينش« والصحافية ليلى التي تؤدي دورها الممثلة الأميركية »كيت هدسون« ووالدته »صوفيا لورين« وبائعة الهوى التي تعرف عليها شابا تؤدي دورها المغنية »فيرجي«.
فيلم »ناين« مبهر بصريا ويحمل سحرا سينمائيا حقيقيا، خصوصا في بنائه الذي جاء على هيئة أحلام فانتازية على شكل أغان واستعراضات يتخللها مشاهد درامية قوية يخلط فيها المخرج روب مارشال بين الواقع والخيال، ومع كثافة نجوم العمل جاء الأداء التمثيلي رائعا وموازيا للتقنيات من إضاءة وديكور وتصوير وأزياء، وهي أمور تحتاج بلا شك إلى تركيز من الجمهور ليعرف الرسائل ويفهم المقصود والمغزى من كل ما يراه.
إشكاليات السوق
(للأسف الموجود في قاعة »بيكتشرز هاوس« المتخصصة بعرض الأفلام الفنية، لا يغريني بالذهاب إليها فلا يزال اختيارهم للأعمال ضعيفا، فليس هناك انفراد بعرض فيلم فاز مثلا بسعفة كان أو دب برلين).
يؤكد محمد سلطان ثاني أن هناك أفلاما قوية من كوريا يجب عرضها والاستمتاع بها، خصوصا أن هناك جالية كورية كبيرة في البلاد، ويجب أيضا عرض أفلام من هونغ كونغ لأن بها مستوى متميزا فنيا بعيدا عن أعمال الأكشن، ويطرح كذلك بعض الإشكاليات الخاصة بالسوق السينمائي المحلي قائلا:
أسعار تذاكر السينما لدينا ما زالت مرتفعة وتتدرج ما بين (53، 0 6، و70) درهما، وفي كل دول العالم هناك ما يسمى (سينما العرض الثاني) وهي غير موجودة لدينا، وأسعارها تنخفض إلى النصف ولها جمهورها الذي ينتظر عرض الأفلام بهذه الطريقة، ويجب الوضع في الاعتبار أن بعض الأسر لديها عدد أولاد تشكل قيمة التذاكر أمامهم عائقا للترفية والمتعة.
كما أن مستوى الصالات متقارب ومرتبط بالمراكز التجارية وتوزيعها، وبالتالي نجد أن هناك شرائح من المجتمع مثلا العمال في مناطق (القوز، المحيصنة، وجبل علي) لا توجد لديهم صالات سينما في تلك الأماكن بأسعار تتناسب مع دخلهم، يضاف إلى ذلك أسعار ال(دي في دي) التي تتراوح بين (07 ـ 58) درهما.
في حين يباع في دول أخرى بما لا يزيد على 10 دراهم، وهذا أمر يجب التنسيق فيه بين جهات البيع والموزع الذي يعاني أيضا من ثقافة الجمهور نفسه الذي ينتظر في أميركا طرح الفيلم لشرائه حتى لو شاهده، أما عندنا فالجمهور الذي يرى الفيلم في صالات السينما لا يفكر في شرائه بعد ذلك.
الأفلام المحلية
(صناعة السينما لا تقوم على فرد بل هي عمل جماعي، وبالتالي لابد من وجود معاهد وأكاديميات متخصصة لتدريس كل علوم صناعة السينما مثل الإخراج، الإنتاج، السيناريو، التصوير، المونتاج، والإضاءة).
يرى محمد سلطان ثاني، أن صناعة السينما لا تحتاج إلى مهرجانات بل تحتاج إلى سوق سينمائي، ويسترسل قائلا: يجب الاعتراف اليوم بعدم وجود سوق قادر على حمل صناعة سينما عندنا، وبنظرة سريعة على الأفلام المحلية التي أنتجت وحققت نجاحا، نتوقف أما »دار الحي« للمخرج علي مصطفى.
حيث نجد أنه واجه صعوبة جعلته يقدم ثلاثة أفلام في عمل واحد يتحدث بالعربية والهندية والإنجليزية، ليتوازن مع تركيبة هذا السوق، الذي تعرض فيه تجارب ومحاولات فردية.
لكن المشكلة تكمن في الاستمرارية وإقبال الجمهور ودعم بعض الجهات وعلى رأسها التلفزيون الذي يجب أن يشتري تلك الأعمال ويعرضها ليحقق حالة حراك في سوق نتمنى مع الوقت أن يملك عناصر مفردات إقامته.
دبي ـ أسامة عسل


