وسط أطفالها الأربعة، أعزّ ما تملكه في هذه الدنيا، التي لم تر فيها سوى الدموع والقهر والمهانة، التقيناها®. اختارت أن تُطلق على نفسها »أم جميل« لعدم رغبتها في كشف هويتها الحقيقية، خوفاً من المجتمع والأهل والطليق®.
غير أنها أبدت بكل جرأة طرح قصتها على الرأي العام، كونها امرأة مقهورة، فقالت: بدأت مأساتي منذ ولادتي في بيت لم يعرف الاستقرار يوماً، فوالدي رجل متسلط، كثير المشاكل، عنيف الطباع، تحمّلته أمي وعايشت سطوته وبخله إلى أن أنجبت منه 5 من الأولاد والبنات.
وفجأة ومن دون سابق إنذار، وصلتها كلمات من هنا وهناك بأنه في طريقه للزواج بامرأة تصغره بعشرات الأعوام، فثارت في نفس أمي روح الأنثى وغيرتها، وخلعت رداء الصبر والألم، وأسرعت بمصارحته بما وصل إلى سمعها، فما كان منه إلا أن أكده، وخيّرها بين البقاء وقبول الأمر الواقع أو الانفصال، حينها لم أكن قد بلغت الخامسة من عمري، وكنت أكن لأبي محبة شديدة.
واختارت أمي الطلاب، وتوسلت إلى أبي أن يترك لها حضانتها (3 أولاد وبنتان) كنت أنا أصغرهم، ولا أعي ما يدور حولي®.
وبعد أن انفصل أبي عن أمي، كثيراً ما كنت أهرب من بيتها إلى بيت أبي الذي كنت لا أتحمل فراقه عني ليوم واحد، كرهت أمي هذه التصرفات وكثرة هروبي، فخيّرتني بين العيش معها أو الاستمرار في العيش ببت أبي، وانتهيت باختياري المكوث في بيت أبي والعيش معه وزوجته الجديدة، ما أشعل النار في قلب أمي، التي كانت تكنُّ لي الحب والتدليل®.
وهكذا مرّت بي الأعوام الخمسة الأولى، كنت أشاهد أبي يتحول من سيئ إلى الأسوأ، فقد كنت أشاهده يتعاطى المخدرات، ويترنّح غير مبال بما يدور حوله، وعندما بلغت الثالثة عشرة وظهرت عليّ علامات البلوغ، زوّجني أبي لابن من يمده بجرعة المخدرات.
وهو أيضاً مدمن لا يفيق حتى يتعاطى مرة أخرى، عشت معه عامي الأول، وحاولت أن أوقظ ضميره وأثنيه عن تعاطيه للمخدرات، فكان يثور في وجهي كالوحوش، ويقوم بضربي حتى أسقط من الإعياء وأغيب عن الوعي، ويقوم بطردي إلى بيت أبي الذي ما إن يراني حتى يقوم بدوره بضربي بشراسة، والسبب أن زوجي ووالده سيحرمانه من جرعة المخدرات التي يوفرانها له.
صدمة عنيفة
تواصل من بين دموعها: قررت استئناف حياتي في بيت زوجي، وأن أرضى بما كتبه الله لي وأصبر، وتمنيت أن يأتي يوم يفيق فيه زوجي مما هو فيه، وبعد فترة بدأت علي علامات الحمل، وأنجبت طفلي الأول الذي استقبله زوجي بغضب شديد لعدم تمكنه من الحصول على جرعة من المخدر الذي يتعاطاه في ذلك اليوم، ولم يمر عام آخر حتى رُزقت بطفلة ثانية.
ولم يتغير الحال للحظة واحدة، ثم مكثت خمسة أعوام في معاناة بين الطرد والضرب، وطلب الطلاق دون جدوى، وتضيف:
لم أجد من يتحملني وأطفالي، فعدت إلى بيت زوجي مرة أخرى، وقررت بأن أرضى بما قدَّره الله لي، وحاولت خلال تلك الأعوام الاتصال بأمي، واستدرار عطفها، لكنها رفضت بشدة الاعتراف بي، وأكدت أنها تبرَّأت مني إلى الأبد، وكانت هذه الصدمة عنيفة على نفسيتي وأحبطتني كثيراً.
وقررت البقاء في بيت زوجي حفاظاً على أبنائي، وأن أعيش لرعايتهم ولا أهتم بأفعال زوجي، الذي لم يكتفِ بسيطرته وعنفه علي بل تعدَّى ظلمه لي إلى الضرب والتعذيب والطرد إلى الشارع، وكنت قد حملت بابني الثالث في شهره الثاني، أردت الانتقام لنفسي وعدم العودة مرة أخرى إلى بيته®.
في ذلك الوقت كان على علاقة بإحدى جاراتي التي سرعان ما تزوجها بعد أن طردني من البيت، وقمت باستئجار غرفة واحدة في بيت متهالك بجوار منزل أبي، والتحقت بإحدى المشاغل النسائية وتعلَّمت فن التزيين، واستطعت أن أُنفق على أولادي من راتبي الضئيل، ثم وضعت طفلي الثالث وسط ظروف قاسية ومأساة نفسية عنيفة.
تلتقط »أم جميل« أنفاسها بصعوبة وهي تضيف: بعد مرور أشهر، أرسل لي زوجي ورقة طلاقي بعد ضغط وإصرار من زوجته الجديدة، وعاد أبي يلحُّ علي من جديد أن يزوِّجني مرة أخرى على رغبته، فرفضت اختياره، لكنني فوجئت ذات يوم بدخول رجل علي يقول لي إنه زوجي الثاني.
وعندما نظرت في وجهه أصبت بنوبة من الهياج والصراخ، فقد كان شقيق طليقي الأول، وأيضاً لا يقل عنه إدماناً للمخدرات وسوء خلق، كما ان عقد الزواج تم دون علمي بالاتفاق بين أبي وشقيق طليقي.
وأيضاً للسبب نفسه، أي مقابل إمداده بجرعات المخدرات التي لا يستطيع الإقلاع عنها، ورفضت الدخول عليه فأرغمني أبي إما القبول والإقامة مع زوجي الجديد أو قتلي، فما كان مني إلا أن قبلت الأمر بعد تهديد أبي بقتلي وأطفالي، ولم يختلف زوجي وشقيق طليقي عن أخيه كثيراً، غير أنه كان يترك البيت لعدة أيام ولا يعلم عنه أحد شيئاً.
وفي ذلك الوقت أقنع أبي طليقي ووالد أطفالي بأن يضم أولادي إليه، وبعد عام من زواجي بشقيق طليقي أنجبت طفلتي الأخيرة منه، وقررت أن أضم أولادي إليّ مهما كان الثمن.
وبعد عامين تم الانفصال بيني وزوجي شقيق طليقي، وتلقيت اتصالاً من والدة طليقي وأبو أولادي الثلاثة تحذرني فيها أن أولادي سوف يُقتلون على يد زوجته الثانية، وكانت أم طليقي سيدة مسنّة وضريرة، وأكدت لي في مكالمتها أنها كانت تسمع صراخ أولادي وتعذيبهم من زوجة أبيهم، التي منعتهم من الذهاب إلى المدرسة، فهرعت إلى بيت طليقي وأخذت أطفالي.
وحاولت أن أوفر لهم ملجأ آمناً إلى أن أحصل على حضانتهم والاحتفاظ بهم إلى الأبد، لكن طليقي الأول هددني بالقتل إن لم أعد أطفاله، وانتظرت بالفعل السوء، لكن الأيام مرت ولم يحدث شيء، حتى فوجئت بخبر وفاته بسبب جرعة زائدة من المخدرات التي يتعاطاها، فأيقنت أن الله لن يخذل عباده أبداً، وأنه لن يتركني في قادم الأيام لإتمام رسالتي نحو هؤلاء الأيتام.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
