ثقافة المقاهي ثقافة نادرة ومميزة وفريدة في مصر. المقهى في مصر هو قاعدة للإبداع وجسر للتواصل وفرصة للتأمل وركن مهم من أركان الحياة الاجتماعية، فقد خرج من هذه المقاهي أدباء وشعراء ومطربون ورجال أعمال وسياسيون واقتصاديون.
الكل يمكن أن ينطلق من هذه المقاهي، فمقاهي الحسين والتوفيقية والأزبكية وطلعت حرب بوسط القاهرة كانت ولا تزال مصنعا للإبداع الحقيقي لنجوم الفن، وشهدت كتابات الأديب العالمي نجيب محفوظ ورفاقه.
كما شهدت بروفات أهم الأغاني لأم كلثوم وعبدالحليم وفريد الأطرش وغيرهم، وهي الأغاني نفسها التي تم تأليفها في نفس المقاهي.
وأيضا في مقاهي مصر كان رجال المقاومة يخططون وينطلقون منها وعلى جوانب من أركانها عقدت أكبر الصفقات التجارية من رجال أعمال وتجار كبار، وأنشئت داخلها تنظيمات وأحزاب سياسية قبل أن تنشئ مقراتها.
وكما هو معروف أنه طوال أيام السنة تظل المقاهي أبوابها مفتوحة لمدة 42 ساعة لكن في شهر رمضان تغلق أبوابها 41 ساعة في اليوم وتفتح أبوابها مع موعد الإفطار وتستمر حتى وقت السحور أي أنها تعمل لمدة 10 ساعات فقط.
وربما يدور بخلد الإنسان المتابع لهذه الحال®. أن إغلاقها لمدة 41 ساعة في اليوم يعرضها للخسائر الكبيرة خلال هذا الشهر الكريم، لكن الشيخ محمد عبدالله وهو رجل في مطلع السبعينات من العمر وصاحب مقهى كبير في وسط القاهرة يفاجئنا بقوله إن ما كان يدفعه رواد المقهى في شهر واحد قبل أو بعد شهر رمضان وكنا فيه نعمل 42 ساعة- لا يساوي نصف المبلغ الذي نحصل عليه في الساعات العشر خلال شهر رمضان الكريم.
وقال إن الترابيزة التي يجلس عيها 4 أفراد ما بين ساعة ونصف الساعة وأحياناً أقل في الأيام العادية يدفعون من 10 إلى 51 جنيها ويأتي غيرهم وهكذا ولكنه في شهر رمضان يحلو للمصريين السهر في المقاهي، وغالباً بعد صلاة التراويح لا يوجد مقعد خالٍ مطلقاً.
ولكن عندما يجلس 4 أشخاص على الترابيزة بعد الإفطار في شهر رمضان يستمر جلوسهم إلى 5 ساعات على الأقل، وخلال هذه الفترة يزورهم أصدقاؤهم ومعارفهم والكل يشرب وفي نهاية الجلسة تجد حسابهم من 80 إلى 100 جنيه، وهناك ترابيزات أخرى يصل حسابها إلى أكثر من 150 جنيها في أغلب الأحيان.
والسائح الذي يتاح له فرصة زيارة مصر في رمضان، يلفت انتباهه استحواذ هذه المقاهي الشعبية على مساحات عريضة من الشوارع التي تقع فيها، حيث تمتد الكراسي والترابيزات إلى منتصف الشارع لاستقبال الزبائن الذين يتوافدون بكثرة للجلوس على المقهى الذي يحبونه.
وفي هذا الشهر يكثر الباعة المتجولون الذين لا يختفون لحظة واحدة من أمام أعين الزبائن ويحملون كل أنواع البضائع على أيديهم وهي نفس البضائع الموجودة في أكبر محلات القاهرة، والاختلاف هو السعر حيث يعرض البائع المتجول السلعة بأقل من 50% من سعر المحلات.
وسط البلد
ومن المعروف أن لكل منطقة في مصر طعمها ولمقاهيها لونها الخاص ولكن لمقاهي الحسين الأولوية في التردد عليها، وأغلب رواد مقاهي وسط البلد بعد الساعة العاشرة مساء يتوجهون لمقاهي الحسين لتناول المشروبات الباردة والساخنة حتى أذان الفجر.
ومنها ينطلقون إلى مسجد سيدنا الحسين لأداء فريضة الصلاة ومنه العودة إلى منازلهم، وبالرغم من أن مقاهي الحسين أسعارها سياحية تزيد كثيراً على أسعار مقاهي وسط البلد فإن المصريين في رمضان لا يعيرون هذه الناحية أي اهتمام لتوفر الجو الروحاني النادر في تلك المنطقة التي تضم المساجد والمباني الإسلامية والتاريخية الرائعة.
وسط البلد
وهناك مقاهٍ في مناطق كثيرة في وسط البلد على رأسها »البورصة« بشارع شريف الشهير وهي تضم عشرات المقاهي المتراصة بجوار بعضها ومليئة بكل أنواع البشر.
ولكن حداثة هذه المقاهي تجعلك لا تشعر بالفرق بين ليالي رمضان وغيرها من الليالي في الشهور الأخرى عكس المقاهي المعروفة والعريقة التي توفر لك كثيرا من المتطلبات التي يحتاجها الإنسان في هذا الشهر من مشروبات.
وأماكن للصلاة ومسجلاتها تنشد الموشحات والأغاني القديمة والأغنيات الدينية التي تذكرك دائماً بأنك في شهر مختلف تماماً عن بقية الشهور، وكذلك توفر لك »البليلة والتمر والكركديه« وغيرها من الأشياء التي يحبها الناس في رمضان.
القاهرة - دار الإعلام العربية
