هوى الكتابة الصحافية والأدبية منذ صغره وأصدر مجلة المدرسة، وبعدها دخل كلية الشرطة وكان مسؤولاً عن مجلة الكلية وبدأت حياته فيها بحوار مع الأديب »طه حسين«، وفي هذا الحوار اقترح عليه عميد الأدب العربي تغيير كلمة »بوليس« إلى »شرطة« لأنها أقرب إلى الأدب العربي وأصح لغويا.
وفعلا كتبها في مجلة الكلية وبعدها بفترة صدر قرار جمهوري بتغيير اسم كلية البوليس إلى كلية الشرطة فأصبح مساهما مساهمة إيجابية في اسم الكلية.ورغم دراسته ب»الشرطة« لم يمنعه ذلك من العمل صحافيا ثم كاتب سيناريو من طراز خاص، حيث أثارت أفلامه دائما كثيرا من الجدل، واليوم نقترب منه ليسلط الضوء على الأفلام ومسيرتها في حياته وحياة الناس.ممدوح الليثي كاتب ولع بفنون السينما وجعله ذلك يترك مجال الشرطة ويتقدم للدراسة في معهد السينما قسم السيناريو، ودرس لمدة ثلاث سنوات وأصبح كاتب سيناريو متخصصا له باع كبير في هذا المجال.
كتب مسلسل »جريمة الموسم« عام 46 إخراج نور الدمرداش وكان 31 حلقة فقط وكان يذاع بمعدل حلقة واحدة كل أسبوع، لذلك كان هناك مجال واسع لتناول الحلقة بشكل نقدي، ثم كتب مسلسل »شرف المهنة« عن عامل سويتش تليفونات يتجسس على المكالمات، وبعدها قدم فيلم »تاكسي« عن سائق تاكسي وقصص مختلفة تدور معه وكان هذا عام 66 ونال هذا الفيلم الجائزة الأولى في الدراما في مهرجان التليفزيون الدولي.وخلال مسيرته الطويلة مع السينما قدم فوق الـ 002 فيلم أبرزها »الطريق إلى إيلات« من إخراج إنعام محمد علي و»ناصر 65« للمخرج محمد فاضل، وأنتج عشرات المسلسلات أثناء تولي رئاسة قطاع الإنتاج مثل »ليالي الحلمية« و»رأفت الهجان« و»دموع في عيون وقحة«.
ومنذ ذلك الوقت تحول الشرطي الهمام لمؤلف ومنتج وإداري وفنان متميز له رؤية خاصة ليتولى العديد من المناصب المتحكمة في الفن بمصر، وفي السطور التالية، يحلل الليثي ويكشف الأبعاد الفنية والاقتصادية والثقافية والسياسية لعلاقة السينما بالناس.
الأزمة الاقتصادية
(الأزمة الاقتصادية والفضائيات أثرتا بشكل كبير على صناعة السينما وأعادتها 02 عاما للخلف، كذلك اعتماد المنتجين على التوزيع الخارجي أثر كثيرا على الصناعة التي تعتمد على الإسفاف والتخلف في عرض موضوعاتها).
يرى ممدوح الليثي أن السينما تعيش مرحلة انحدار بسبب اتجاه صناعها للتركيز على الإسفاف والتهريج ويقول: أتذكر أن محمد سعد ومحمد السبكى جاءا إلى جهاز السينما عام 8991 وطلبا منى أن أنتج فيلم »اللمبي« وعندما قرأت سيناريو هذا الفيلم لم أتخيل أنه يمكن أن يخرج عمل بهذا الإسفاف على الشاشة، ووقتها فكرت أنه بفيلم مثل هذا سأفتح الطريق للجمهور والمنتجين في أن يبحثوا عن الإسفاف في أعمالهم بدلا من تقديم عمل محترم.
ويستطرد مسترسلا: في الوقت نفسه جاء إليّ أحمد زكي وقدم لي فيلم »معالي الوزير« وتم إنتاجه عام 3002 ومعه الفنانون عمر الحريري ولبلبة ويسرا وهشام عبد الحميد.
الفيلم إخراج سمير سيف وكتبه وحيد حامد، وعندما قارنت بين مستوى الفيلمين لم أفكر وقتها أي فيلم منهما سيكون جماهيريا أكثر أو يحقق نجاحا أعلى، ولكن الأمر الوحيد الذي فكرت فيه هو القيمة التي يقدمها جهاز إنتاج الدولة للمجتمع وما هي الثقافة التي تقدمها الدولة للمجتمع، ووقتها أكدت أن الأمر الوحيد الذي يمكن التأكيد عليه هو الحفاظ على الصيغة المحترمة عند مخاطبة الجمهور، فموضوع سياسي يناقش قضية من قضايا المجتمع وهي اختيار الوزراء والحالة النفسية التي يعيشون فيها طوال وضعهم على كرسي الحكم ـ أفضل 001 مرة من فيلم »اللمبي«.
ويشير الليثي إلى أن السينما تأثرت جدا بالأزمة الاقتصادية، لأنها كانت تعتمد على التوزيع الداخلي والخارجي، الداخلي كان يعتمد على عرض الأفلام في موسم الصيف ووجود سياح عرب في مصر، لكن الأزمة جعلت السياح يتجهون إلى سوريا ولبنان، أما التوزيع الخارجي فتوقف تماما لأنه كان يعتمد على شركتين هما إيه آر تي وروتانا مما أثر بشكل كبير علي التوزيع.
تأثير السينما
(السينما قادرة على التأثير على الجمهور أكثر من رجال الدين والوعاظ وحتى المدرسة والمجتمع أنفسهم، وكانت قديما أفضل من حيث الأفكار والموضوعات التي تقدم للجمهور، وكانت تقدم أعمالا لقمم الكتاب والمخرجين والأدباء).
يتساءل ممدوح الليثي قائلا: أين عصر نجيب محفوظ وثروت أباظة؟، فقد بدأت أنا وجيلي كبارا، أما الآن فلم يعد هناك قمم في الأدب والنقد والغناء تضيف كثيرا للأفلام الكوميدية والاجتماعية التي بطبعها تخلق تأثيرا وتلعب دورا في تشكيل قيم ووجدان المتلقي.
ويضيف الليثي: لم نذكر أن داعية تمكن من حشد الرأي العام لحرب مثلا لكن هناك أفلاما كثيرة أثرت على الرأي العام وتركت بصمة كبيرة مثل فيلم »الأرض« الذي أنتج عام 9170 من إخراج يوسف شاهين، عن رواية الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي.
ويعتبر أحد أهم أفلام السينما المصرية فهو يحكي عن الفقر ويعكس قصة الأرض والذين يزرعونها، والذين يستفيدون منها، وعند عرض هذا الفيلم كان أبوسويلم بطلا شعبيا في مصر حيث عرض أزمة يعانى منها الكثير في المجتمع المصري، ووقتها حشد الفيلم الرأي العام ضد الظلم والظالمين، وهذا يؤكد أن الكاتب الذي يقدم عملا يجب أن يراعي أنه يحمل رسالة للمجتمع وأن ينقل كل المشاكل التي يعاني منها المجتمع، فالفيلم عبارة عن رسالة تنبيه عن أوضاع أي مجتمع ومشاكله.
طقوس المشاهدة
(اختلفت طقوس السينما كثيرا عن الماضي فلم يعد هناك جمهور كبير يتجه للسينما إلا من فئة الشباب الذي يذهب مع أصدقائه أو خطيبته، أما الأسر فلم تعد تذهب للسينما كما كان في الماضي إلا في حالات قليلة جدا).
يؤكد ممدوح الليثي أن الفضائيات أثرت بالسلب على متابعة الأفلام في السينما لأنها تقوم بعرض الأفلام نفسها التي عرضت حديثا في دور العرض، وأيضا بعد عرض هذا الكم الكبير من المسلسلات لا أعتقد أن أحدا يستطيع أن يذهب ليتابع أي فيلم، ونتج عن ذلك أن تقلصت جماهيرية السينما كثيرا وأصبح الموسم السينمائي مضروبا بسبب زحف رمضان وتقلص فصل الصيف المعروف بأنه موسم عرض الأفلام.
ويتابع قائلا: أحيانا أدخل سينما ولكن ليس لديّ وقت كي أتابع الفيلم كاملا، فقط أحاول أن أشاهد نصف ساعة من كل فيلم ثم أخرج لأنني أحب أن أشاهد الأفلام فور طرحها في قاعات العرض وهذا أمر مفروض على كل السينمائيين لكن أثارني مؤخرا فيلم (عسل اسود) بطولة احمد حلمي وإخراج وائل إحسان.
وهو من الأفلام المتميزة وسط الأفلام المعروضة، فالفيلم عبر عن مساوئ المجتمع المصري بقسوة وكشف أسوأ ما فينا، ولأول مرة يكون لدينا فيلم كوميدي يوضح كل المساوئ في الشخصية المصرية، وقدم ذلك في إطار موضوع اجتماعي هادف يجذب الجمهور لمتابعته وهذا أمر لم يعد موجودا حاليا.
سياسة وكوميديا
(تاريخ السينما حافل بالأفلام السياسية والكوميدية الراقية، ولذلك أحرص على متابعة الأعمال الجيدة والهادفة التي توجه رسالة معينه، وأنا شخصيا كمنتج وكاتب سيناريو لا أقدم عملا إلا إذا كان هادفا ويخدم المجتمع).
ينتقي ممدوح الليثي مجموعة من الأفلام التي يحتفظ بها في مكتبته ويذكر الجمهور بها، ومن تلك الأعمال فيلم »مراتي مدير عام« إخراج فطين عبد الوهاب وتأليف عبد الحميد جودة السحار، بطولة شادية وصلاح ذو الفقار ويقول عنه: أكثر ما أعجبني في هذا الفيلم أنه يقدم نموذجا متميزا لبحث المرأة عن العمل المحترم وتعامل الأزواج معا في إطار كوميدي راقٍ.
ويضيف قائلا: أنا عاشق لفيلم »الكرنك« وهو فيلم سياسي مصري عن قصة لنجيب محفوظ ومن إخراج علي بدرخان، وأعتقد أنه أهم فيلم تم تقديمه في تاريخ السينما المصرية خاصة شخصية خالد صفوان (كمال الشناوي) رجل الأمن المستبد الذي يجسد شخصية صلاح نصر مدير المخابرات العامة المصرية السابق والذي تمت محاكمته قي قضية انحراف المخابرات الشهيرة في أعقاب نكسة يونيو ونهاية الفيلم تأتي بدخول خالد صفوان المعتقل وهو أيضا ما حدث مع صلاح نصر بعد إدانته قي قضية انحراف المخابرات ومحاولة الانقلاب.
وهناك أيضا فيلم »استقالة عالمة ذرة« وهو فيلم تليفزيوني بطولة سهير البابلي وتأليف إبراهيم الشقنقيري، ويتحدث عن عالمة ذرة تحاول التوفيق بين عملها كعالمة ذرة وبين اهتمامها بابنها وتربيتها له، وبعد معاناتها مع المربيات تضطرها الظروف إلى تقديم استقالتها.
ومن الأفلام الأخرى التي لابد من التوقف أمامها فيلم »أريد حلا« لفاتن حمامة، وهذا العمل أحدث ضجة إعلامية واجتماعية كبيرة، فقد أشيع أنه تم صنعه تلبية لرغبة شخصية لإحدى سيدات السلطة في مصر في السبعينات بغرض تهيئة الرأي العام المصري لإصدار تشريعات في الأحوال الشخصية تعطي حقوقاً للمرأة بما يتعارض مع الشريعة الإسلامية، والأفلام الثلاثة (مراتي مدير عام، استقالة عالمة ذرة، وأريد حلا) كان لها تأثير كبير على الرأي العام لأنها هدفت لمساعدة المرأة العاملة في المجتمع.
الإنتاج العربي
(الإنتاج العربي قل بنسبة كبيرة عن السابق مما ساعد على وجود غزو للأفلام الأجنبية في السينما، وخصوصا الأميركية التي هيمنت على صالات السينما بما تملكه من ضخامة في الإنتاج ومؤثرات تكنولوجية).
يتذكر ممدوح الليثي في فتره من الفترات أن القائمين على السينما الأميركية كانوا يطلبون منا أن يقوموا بعرض أفلامهم في السينما، أما الآن فأصبحت الأفلام الأجنبية تحتل مساحة أكبر من الأفلام العربية في السينما المصرية، وذلك لأن الأفلام الأجنبية تقدم مستوى عاليا من حيث التقنيات الموجودة لديهم والإمكانيات الحديثة والمبهرة والتي ظهرت بشكل رائع في فيلم »افاتار« والأعمال ثلاثية الأبعاد ما يجعلها تتفوق على أفلامنا المصرية.
القاهرة - دار الإعلام العربية


