انهمك مع زمرة رفاقه في التهام الأنفاس الزرقاء®. تحداهم في إلقاء النكت والقفشات، وبدأ يطيل الضحكات، ويرفع صوته بها، ويعيد النكتة بعنصرها ضاحكا، ويدعوهم لأن يضحكوا معه®. رغم كل هذه المظاهرة الصاخبة®.

فإن ذلك الخاطر اللئيم، يغافله، ويسرح في عروقه، ويصل إلى مخه، ويركب الحزن جبهته، ويهبط منها على بقية ملامحه ويستلفت صمته الرفاق®. فيصيحون فيه®. إلى أين ذهب وتركهم، ويخجل هو من فعلته ويصر على أنه معهم، مغرقا في الضحك بلا سبب.

وقد خيل له أنهم عرفوا وأدركوا ما الذي يعذبه وتلك هي الكارثة®. فيبالغ في الضحك حتى لا يضبط متلبسا بالحزن المصدر إليه من شعوره بالخزي من مأساته التي لم يكن يشعر بها منذ يومين فقط®. الحقيقة أن هذا الشعور الأحمق لم يكن مفاجأة له®.

كان يزوره بين الحين والآخر، إلا أنه كان يتغلب عليه ويطرده®. فهو لا يريده، ولا يقبله، وكيف يقبله؟ إذ مجرد قبوله أو الإذن له بالقبول، يعني أنه كان مخدوعا، وأن التي اختارها وفضلها على زوجته الأولى، ومن أجلها دمر بيته الذي كان آمنا، وأصر على طلاق زوجته، وتقدم إلى هذه المرأة رغم أنها مطلقة، والحارة كلها تتحدث عن سوء حظها وجمالها وأخلاقها®.

وكيف أن زوجها السابق طلقها مرغما وانصياعاً لأوامر والدته، وأنه مازال يبكيها ويتمنى أن تعود إليه®. لكن شرطها أن يوجد لها منزلا بعيدا عن أمه وهذا هو المستحيل في ظل ظروفه المادية الصعبة®. ولا يدري حتى الآن كيف كان اللقاء الأول لكن على سبيل الظن، يتذكر أنه ملأ بصره منها، يوم أن وجدها مع والدتها®. كانت أمه متوعكة، واستدعتها لكي تعطيها حقنة®.

فهي تعمل ممرضة في أحد المستشفيات صباحا، وعند أحد الأطباء بعد الظهر، بهرته دفعة واحدة®. كل ما فيها كامرأة®. حديثها، نضجها، تناسق ملامحها، أنوثتها التي تلمع مطلة من عينيها، رنة الحزن في صوتها®. حدثته وداعبته وجن بها، لكنها لم تجن به®. وجدت فيه فقط الرجل الذي يمكن أن يكون »بدل فاقد« لطليقها، فهو زوج مطيع وعاشق، وقابل للترويض، وليس له أولاد من زوجته الأولى، وكذلك هي®.

لكن ما أفزعها، وكان محور رفضها أنه يريدها أن تعيش مع أمه، وهي قد أخذت درسا من السكن مع الحماة لن تنساه، لكن العشق تمكن، وتعددت اللقاءات، وكلاهما عاجز عن الحصول على غرفة وصالة بالمبلغ الذي يوفره من مهنته، وحتى تقطع ألسنة الناس وأمام التعهد بأنه سوف يوفر سكنا بعيدا عن أمه خلال شهر واحد من زواجهما، رضيت بأن تقيم معها، وزرعت في نفسه أنها تقبل بذلك على مضض، ومن أجل عيونه، وكتب الكتاب.

وجاء بها إلى البيت، وفرحت أمه بها، لأنها سوف تعالجها من أمراض الشيخوخة المتصلة، وتنازلت لهما عن الغرفة الأخرى، وقنعت بغرفة تنام بها، وأحس هو أنه حقق حلم حياته®. أدرك لأول مرة في حياته، وقد بلغ الثانية والثلاثين، لماذا يتزوج الرجال بالموظفات®. النظام، النظافة، والطاعة والامتثال®. أشياء كان يفتقدها®.

حتى وهو يعيش مع والدته، لكن الشهر مضى، وجاءت بعده عدة شهور، والسكن لم يتحقق، وكان عليها أن تتنازل مقابل هذا العطف الذي تلقاه، ومعاملة حماتها التي آلت على نفسها أن تجعلها أقرب إليها من ابنتها وتدعو لها ليل نهار ألا تفترق عن زوجها، وأن يرزقهما بالخلف الذي تفرح به، وترعاه، وهي غائبة في عملها، لكن الدعوات كلها استجيبت إلا دعوة الإنجاب، فقد تأخرت مع أن كليهما ليس لديه مانع طبي، وبدأت السعادة تتراجع عند كليهما®.

لاحظ أن مواعيد عودتها التي كانت مضبوطة كما ساعة الراديو تغيرت، وكثرت أعذارها، وكذلك ارتفع صوتها في النقاش، وبدت حدتها لحظات العتاب، ورددت ألف مرة أنه كان يعلم جيدا أنها تعمل ليل نهار وأن ذلك من أسباب تعلقه بها، وليس جمالها وحسنها كما يزعم، وذات مرة كان يجلس على المقهى، ولم تكن وصلت، وقبيل منتصف الليل جاءت على ناصية الحارة سيارة فاخرة هبطت منها، وهي تتكلم مع السائق، وكان رجلا يبدو بالغ الثراء®. وكانت السيارة تحمل شارة الأطباء، وحينما خرج من المقهى ليلقاها في الطريق إلى البيت قالت للعلم لا للاعتذار:

العمل كان كثيرا في العيادة وتفضل الطبيب بأن يوصلني ليطمئن عليّ®. فلم يكن أمامه إلا أن يعلق بأن: هذا الطبيب على خلق كريم، لكن الناس في الحارة لا يرحمون، وكان أجدر بك أن تأتي في تاكسي وتدفعي أجرته®. ولم ينبس بحرف بعدها، لكن بدا عليها الامتعاض.

وشكت للأم ملاحظته، وانبرت الأم تلومه، وتبصره بأنه تزوج من سيدة شريفة مخلصة لعملها ولبيتها، ولا يجب أن يفكر كالآخرين، الذين يحركهم الحقد على الناجحين، ويعذبهم الفشل الذي يعانونه، والمعاناة في حياتهم الزوجية، فلا يجدون متنفسا إلا سيرة الآخرين، وحقيقة حماس الحماة، هي أنها تريد أن تبقي على فرحة الابن بزوجته الجميلة، والموظفة، والتي رفعت عن كاهلها أعباء كثيرة في عمل البيت، وحذرته من أن يلقاها بملاحظة أخرى في المستقبل®. فالسيدة تعمل ليل نهار في سبيل ألا تطلق مرة أخرى، وعليه ألا يستفزها أو يكرهها على أن تغضب منه أو تندم لأنها فضلته على كثيرين®.

والأم إذ تتحدى بهذا الدفاع عن أخطاء زوجة الابن لا تتحرى الحقيقة فحسب، إنما ترد ولدها عن أفكار سوداء بدأت تراود خواطره، لأنه ترك زوجته تسيطر على البيت، حينما تخلى عن بعض واجباته، وحملها ما لا يجب أن تتحمله من مصروفات، ودون أن يدري أعطاها الحق في أن تكون صاحبة الكلمة النافذة وبالتالي فليس من حقه أن يناقش تصرفاتها خيرا أو شراً®.

فالذي يعطي يأخذ المقابل، والذي يأخذ عليه الخضوع، ولم تشأ الأم أن تصفعه بالحقيقة أمام زوجته، وانتهزت أول فرصة لتنفرد به، وتهمس بأن يكون أعقل من أن يسمع فيها كلام بعض أهل الحارة، بعضهم حاقد، وبعضهم حاسد، وبعضهم يكره آثار النعمة على غيره®.

وهكذا أحس بالخزي، ومن ثم وجد نفسه بغير تعمد يسهر خارج المنزل حتى لا ينتظرها بل يتركها هي تنتظره، وساءها ذلك، وعاتبته على مرأى من أمه التي وقفت في صفها، وبالغت في لومها له، وقالت له: إذا كنت تغار عليها بهذا القدر فكان يجب أن تجعلها ربة بيت منذ أول يوم في زواجكما®. ألم تتزوجها لأنها جميلة؟ ولأنها تعمل؟ فلا تغضب إذا حام اللصوص حول »الكنز«®. تلك طبيعة الأشياء®.

فصاحب »الكنز« هو الذي عليه أن يكون قادرا على حمايته من اللصوص®. لم يدر ما الذي تقصده والدته بهذا اللوم العنيف؟ إنها تدافع عنها لأنها بارة بها، تقربت منها أكثر منه، عرفت كيف تكسب ودها بالهدايا الصغيرة، والمعاملة الحسنة®.

لكن ما حكاية اللصوص التي تحوم حول »الكنز«؟ هل لاحظت شيئا؟®. أم أنها ترسّخ فيه الشعور بأن عليه أن يثق في زوجته، فلا يعطي أذنيه للحساد، والحاقدين. حاول أن يهرب من الصراع الذي في داخله®. فمضى إلى جلسة دخان أزرق، وراح يعب الأنفاس، ويضحك، ويُضحك الآخرين®.

لكن الخاطر لم يتركه، واتجه إلى البيت، كانت تنام في غرفة والدته، ورفضت أن تذهب إلى غرفته، وتوسلت إليه أمه أن يتركها، وفي الصباح سوف يذهب غضبها®. ونام حتى الصباح إذ قام من نومه، وخرج إلى عمله معلنا غضبه®. لكنه كان يهرب من مواجهتها حتى لا يضعف أمامها ويصفح عنها®. كان مصرّا على أن يظل حريصا على غضبه، حتى يتمكن من الانتقام منها®.

بعد ساعتين قضاهما في رعاية الغضب الذي ينمو داخله®. ترك العمل، وذهب إلى البيت®. فتح الباب تحسس مطواة قرن غزال التي يحتفظ بها دائما في جيبه®. نادى على أمه فلم يجدها فذلك موعد خروجها إلى السوق®. تقدم من غرفتها®. رأى زوجته متكورة داخل الغطاء الخفيف®. اقترب في حذر، واضطراب®. خشي أن يحدث صوتا®. فتقوم فيرى وجهها فيضعف®.

ازداد اقترابا من السرير حتى سمع أنفاسها تحت الغطاء، أغمض عينيه، وانهال بالمطواة من عند العنق مرورا بكل جسدها®. قد تكون صرخت، لكنه لم يسمع ويده تصعد وتهبط، قفزت الجثة تعتدل لكنها فشلت وتناثرت الدماء®. ازداد هياجا وازدادت يده صعودا وهبوطا®. حينما انزاح الغطاء والجثة تتخبط افاق على الكارثة التي عقدت لسانه وأصابت عقله بالشلل®.

فلم تكن من تلفظ آخر أنفاسها سوى أمه®. بينما كانت زوجته قد ذهبت إلى عملها في الصباح الباكر. وأمام نيابة جنوب القاهرة، اعترف الزوج تفصيليا بجريمته، دون أن يتمكن من حسم ما إذا كان دخان الشائعات القذرة الذي انتهى به إلى هذه النهاية المأساوية خارجا عن نار حقيقية أم وهم قاتل.

القاهرة - دار الإعلام العربية