تراثنا كنزنا. الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت ألوان أوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة.

وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الامارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الإطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات »التويتر« و»الفيس بوك« وال»يوتيوب«. »الحواس الخمس« اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الإمارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليه ونقله من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء، وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل.

عند سماعنا لكلمة سلاح تحيلنا أفكارنا إلى الحروب والقتال، فهو السلاح المرتبط بالكلمة، لكن الأسلحة القديمة في الإمارات تحيلنا إلى صور أخرى، منها ماضي الأفراح والأعراس والاحتفال بها، ومنها الحماية التي تجعل الطرق الوعرة آمنة لمرتاديها، فقد كان السلاح رفيق الرجل الإماراتي في رحلاته في الصحراء وبين الجبال، وهو دليل قوة تبعد عنه وعن أهله ورفاقه طمع قطاع الطرق، كما أن الأسلحة هي آلة القنص الذي مثل متعة ومصدرا للرزق، حيث يعود الرجال فخورين بغنائمهم من طرائد الطبيعة المحيطة بهم.

حماية من المخاطروحين تذكر الأسلحة القديمة يعود الشواب إلى أيام الماضي حين كان السلاح لا يفارقهم، فالوالد أبو أحمد من دبا يؤكد أن السلاح كان ضروريا للرجل ولا يفارقه، فحين يذهب ليبيع أو يشتري في أسواق الشارقة ودبي لا بد له من سلاح يحميه من مخاطر الطريق؛ إذ قد يصادفه حيوان مفترس، فالجبال كانت مليئة بالذئاب، ولم يكن هناك أحد يسافر وحده، حيث يجتمع مجموعة من الرجال ويتواعدون على الخروج سوياً نحو المدينة، حاملين معهم ما يمتلكون من أسلحة مثل أم عشر والصمعة وأم فتيلة أو برشوت وغيرها من أنواع البنادق المعروفة آنذاك.

مسميات مختلفةويذكر الحاج سالم الخالدي أن الناس كانوا يطلقون أسماء مختلفة على البنادق لأسباب مختلفة، فالمستحية هي البندقية التي تطلق إطلاقة واحدة، وأم صبع هي التي يكون زنادها على شكل أصبع، وأم فتيلة التي كانت من أقدم الانواع، وكان الرجل يضع البارود في فوهتها ويشعل فتيلة خلف الزناد لينطلق الرصاص، وكان السلاح صديقا حميما للرجل لا يفارقه، فإذا ما بلغ الفتى مبلغ الرجال فإنه يشتري بأول مبلغ يحصل عليه صمعة أو ميزر ليحمي بها نفسه ولتكون من دلالات الرجولة والقوة.

إشارة رمضانيةيقول الحاج علي أحمد محمد: إن سكان الجبال كانوا يعلنون قدوم شهر رمضان المبارك بإشعال النار في قمم الجبال أو بإطلاق النار ليسمعه جيرانهم في الجبال المجاورة، ويفعلون الأمر نفسه في إعلان موعد العيد، لذا مثل إطلاق النار إشارات ثابتة يتعارف عليها الناس.

ويصومون ويفطرون على أساسها، حيث يذهب الرجال إلى المعمورة ليتأكدوا من موعد العيد ثم يعودون إلى الجبال ليخبروا أهلهم ويعلنوا قدوم الشهر الفضيل، ومن يرى الهلال »ينقع تفك« أي يطلق العيارات النارية، وكانت الإشارة المتفق عليها هي إطلاق النار ثلاث مرات لتأكيد إشارة رمضان.

حكمة الاستخدام

أحمد الشحي يؤكد أن السلاح لم يكن يستخدم للإيذاء، فقد كان الناس مع امتلاكهم الأسلحة يمتلكون الحكمة في استخدامها، فلا يستخدمونها إلا في الأعراس والأفراح والمناسبات السعيدة مثل عيدي الفطر والأضحى، إضافة إلى أنهم يطلقون النار في الفزعة؛ أي حين يكون هناك حادث يحتاج فزعة الناس ومساعدتهم، وكان الرجل يتمنطق بحزام فيه خنجر ويضع حزام سبته .

وهو حزام مخرم به صف من الرصاص ويحمل معه »تفكه« أي بندقية، وهو يدرك أن سبب وجود الأسلحة هو الحماية لا الإيذاء، فقد كان الناس يعبرون عن فرحهم واستقبالهم لضيوفهم بإطلاق النار، وكانوا ينشدون »بالبنادق زحمنا، والعمر سايمينا « وكانوا يقولون الأشعار في الأسلحة، فقد قال الشاعر: »بالمسلخ لا تقرب حذانا، وبعزة الله نارنا مشتعيله«.

دوره في القنص وللقنص أهمية خاصة في حياة الأولين، حيث يقول ابو عبدالله: أيام أول كانت الظباء تعيش في الوادي، وتأكل من النباتات والأشجار الموجودة، فالأرض خصبة والأمطار كثيرة، وكنا نصيد الظباء بأسلحة بسيطة.

وكنت أحب الصيد حتى أني بعت بعض الغنم في سوق الشارقة واشتريت بمكانها صمعة، واليوم لم تعد تلك الأسلحة موجودة، وأصبح الصيد ممنوعا، فليس هناك الكثير من الحيوانات في الوديان بسبب القنص وشح الأمطار، بينما كنا في الماضي نصيد، وكذلك صيد الظباء والأرانب والحبارى التي نراها بكثرة من حولنا.

مواجهة الصعوبات وحماية الحلال

أما أنواع الأسلحة فهي كثيرة، منها »الصمعة « و»الميزر و»أم فتيلة« و»الفلسي« و »أم الركبة« و»أم هوري« و»المشرخ« و»السكتون« و»المارتيني«، فكان أهل الصحراء يحمون غنمهم وحلالهم بالأسلحة.

حيث يقول الوالد محمد عبيد: كانت مناطقنا تأوي الظباء ووحوش الفلاة وكذلك الذئاب التي تأكل مواشينا، لذا نحميها بأسلحتنا، فنحن لدينا الخناجر والسيوف، وكنا نعلم أولادنا استخدام السلاح وضرب السيوف والخناجر وركوب الخيل والهجن، ليستطيعوا مواجهة صعوبة الحياة وحماية أنفسهم وحلالهم.

وكانت هناك محلات لبيع الأسلحة التي تصل قيمة البندقية الواحدة منها إلى 003 روبية، حيث كان الإقبال عليها كبيرا، وكان من يمتلك سلاحا يمكن أن يبيعه في أي وقت بثمن مرتفع، فهي في ذلك الزمان تحتفظ بقيمتها كما الذهب، وقد أصبح بعض الناس يحتفظون بالبنادق القديمة كونها تمثل تراثا يحمل ذكريات الماضي وأيامه القديمة، حيث كانت تستورد الأسلحة من بريطانيا والهند واليمن.

حيث دخلت تفاصيلها في حياة الناس فاستخدموا مسميات محلية مثل »الفشك« وهي كلمة تطلق على الرصاص مأخوذة من كلمة »فشنك« التركية، و»أم خمس« و»أم عشر« وهي أسماء لأنواع من الأسلحة يتسع مخزنها لخمس أو عشر طلقات، وكانت تلك التسميات منتشرة بشكل كبير اندثرت معها المسميات الأصلية لتلك الأسلحة.

صناعة البارود المحليكما عرف الناس صناعة البارود المحلي، وقد اشتهر بصناعته أشخاص معروفون يأتي إليهم الناس ليحصلوا على العتاد لأسلحتهم، منهم المرحوم جمعة بن صراي من رأس الخيمة، حيث يقول سعيد بن راشد:

كانت الناس تجمع الفشك الفارغ لاستخدامه مرة أخرى، فحين »ينقع الرجال تفك« في الأعراس يقومون بعدها بجمع الطلقات الفارغة ويأخذونها إلى أشخاص مختصين ليعيدوا تعبئتها بالبارود، الذي كان يصنع من شجر الأشخر الذي يخلط بالكبريت والملح بنسب معينة، ويكون أرخص ثمنا من أنواع البارود التي تباع جاهزة في الأسواق.

وقبل أن يعرف الناس أنواع البنادق كانوا يستخدمون الأسلحة التقليدية من السيوف والخناجر وأنواع الأدوات الحادة والعصي مثل »اليرز« التي تكون عصا موضوعاً في رأسها قطعة حديد على شكل فأس ما زال بعض الرجال يستخدمونها حتى اليوم.

دبي - مريم إسحاق