تراثنا كنزنا. الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت ألوان أوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة.

وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الامارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الإطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات »التويتر« و»الفيس بوك« وال»يوتيوب«. »الحواس الخمس« اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الإمارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليه ونقله من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء، وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل.

في الصيف يأتي الرطب زائرا حبيبا إلى الموائد الإماراتية، يفرحون به منذ أن ترد »تباشيره الأولى« وهناك طقوس خاصة لاستقباله، فمعظمهم لا يستمتع بطعم التباشير لوحده، بل لا تكتمل البهجة إلا بمشاركة الجيران من صحن التباشير، يغسلون الرطب ويقدمونه لكبير الأسرة يقرأ عليه سورة الفاتحة وأية الكرسي ثم يدعو لأهل بيته وللمسلمين بالخير وبعدها يتذوق الجميع من هذا الرطب ويوزعونه على »الفريج « معلنين أنهم ذاقوا من »خرايفهم«، ولا يقتصر على ذلك فحسب بل يحفظه الكثيرون لشهر رمضان، فلا تخلو سفرة رمضانية من التمر او الرطب.

«الحواس الخمس « جال بين أشجار النخيل في مزرعة الحاجة فطيم في منطقة المدام فتعرف على انواع الرطب ومواسم الخراف فكان له التالي®.

تحدثت الحاجة فطيم وهي تشير إلى أشجار النخيل فتقول: ينتظر أصحاب المزارع والنخيل موسم الخراف بفارغ الصبر وهذا الموسم له طقوس خاصة حيث يتحول فيه أصحاب »الخرايف« إلى خلايا عمل ضخمة، فيبدأ النشاط والحركة في المزارع.

وبالرغم من الحداثة والتطور التي دخلت كل مجالات الحياة، إلا أن عجلتها تتوقف ما أن تصل إلى موسم »الخراف «، فهو وليومنا هذا يعتمد على آلاته القديمة، وعلى المجهودات اليدوية، ومازال بطل هذه العملية هو »الحابول« فبرغم تطور الوسائل لم يستطع أهل النخيل الاستغناء عنه لليوم.

(موسم »الخراف « أو »اليداد ، الجداد« وهي كلمة أخرى تستعمل لنفس المعنى ولها فعل »جدّ« بفتح الجيم لكنه ينطق ياء كعادة الإماراتيين في نطق هذا الحرف).

تضيف: حزام المتسلق الحابول هو عبارة عن حزام حبلي يلفه »الخارف«متسلق النخلة حول بدنه وجذع النخلة، ليصبح عقدة واحدة تجمع »الخارف « والنخلة، به جانب عريض مبطن بالقماش يسند عليه الخرّيف ظهره ويحميه من السقوط، يتحرك الخارف صعودا على النخلة الطويلة »العوانة« بقدمين حافيتين وبمجهود اليدين رافعا أطراف الحبل إلى الأعلى ومتسلقا بعد ثباتها في »اليدع« أو جذع النخلة.

وسابقا كان الحابول يصنع من ليف النخل الذي ينقع في الماء لتليينه ثم يجدل حبالا طولها يصل إلى عشرين باعا، تلف هذه الحبال بالقماش الأبيض عادة، ثم يطوى من المنتصف ليفتل طرفيه على بعضهما مكونة جديلة ضخمة عريضة تخاط ببعضها بقوة، وتبطن بالقماش من الناحية المقرر لها أن تكون للظهر.

ويترك في اخر طرف الحابول مكانا لعقد الطرفين وفكهما عند الصعود والهبوط من النخلة. ومهمة الخارف هو جني الثمار من النخلة، عبر قص »العذوج« المليء بالرطب ووضعها في »المخرافة « وهي سلة سعفية كبيرة يحملها معه على ذراعه إلى قمة النخلة، ويعيدها معه عندما ينزل إلى الأرض ليجد أهله وجماعته بانتظاره لحمل الرطب.

وكان طقس جني الرطب عائليا جميلا، يجتمع فيه كافة أفراد الأسرة، الصغار لجمع الحبات الثمينة المتساقطة من الرطب الذهبي وجمعها في »جفير« صغير، أما الآباء وكبار السن كان دورهم توجيه الإرشادات والنصائح، أما »الخراف « فلا يقوم به إلا الشبان أقوياء الأجساد والأبدان، القادرون على التحكم بتوازنهم وتحريك الحابول في وقت واحد.

وعادة لا يحتاج الناس إلى الحابول إلا في وقت الصيف، لأنه الأداة الأهم في تسلق النخل وجني ثماره، لكنه بعد انقضاء موسم الخراف يلقى على طرف من البيت أو »النخل« أي المزرعة.

من الأمثال الشعبية الشائعة للحابول

بافرك فرة الحابول في الشتا وهو بمعنى سأرميك كما يرمي الحابول في فصل الشتاء فلا حاجة لي بك.تحتاج لي حاجة الخريّف للحابول في القيظ بمعنى انك تعرفني وقت الحاجة فقط وعندما تنقضى حاجتك تستغني عني تماما كما يستغنى عن الحابول في الشتاء.

الحابول

حبل مصنوع من ليف النخيل و يستخدم للصعود إلى قمة النخلة ويسمى الصاعد (الخارف) ويأخذ معه (المخرافه) وهي السلة المصنوعة من خوص النخيل والمستخدمة لجمع الرطب بعد (خرفه) .

يربط الخارف (الحابول) حول وسطه للصعود إلى قمة النخلة حيث الرطب و (الغدر)، وهو مكان يشمل (الحيب) و (القلب) اللذين يمثلان روح النخلة. ويزوّد الحابول بقاعدة متينة يستند عليها (الخارف) ويكون مكانها حول ظهره ومؤلفه من عدد اكبر من الحبال المتينه®. والخارف لا يحتاج لهذا الحبل إلا لصعود النخلة الكبيرة ( العوانه ) أيام (القيظ) أي الصيف لأنه موسم الرطب .

وهو ذلك الحزام الحبلي الذي يلفه متسلق النخلة حول بدنه وحول جذع النخلة ليكون كالعتلة ، تساعده على تسلق النخلة وتحميه من السقوط ويُصنع من ليف النخيل بعد نقعه في الماء وتجفيفه ، حيث يُفرك ويُفْتَل باليدين ليُشكّل حبلاً طويلاً .

يُؤخذ الحبل بطول عشرين باعاً ويُلَف بالقماش ثم يُطوى من المنتصف ويُفتل الجزآن على بعضهما ليشكلا جديلة يتم شدها أكثر بإدخال عدد من عصي جريد النخل بين فتحات الجديلة ، تُسْحَب الواحدة تلو الأخرى مع شد طرفي الحبل بعد سحب كل عصا ، ويبقى ما طوله باع ونصف الباع من كل طرف دون شد بالعصي ، يُربط الطرف الأيسر منها بحبل يُسمى »غَبْط ، ويُربط الأيمن بحبل آخر يُسمى » الساق »، ثم يُنظف بعدها من الشوائب.

دبي - مريم إسحاق