قبل أعوام بعيدة كانت فكرة صنع أفلام روائية طويلة دربا من الخيال في المشهد السينمائي الإماراتي، الذي تغيرت ملامحه ومبادراته خلال السنوات الأخيرة، وفي مدة زمنية قليلة تم تنفيذ (5) أفلام بترتيب إنتاجها (حلم، عقاب، رمال عربية، الدائرة، دار الحي).

وكان الأخير نقلة نوعية ألهبت حماس الشباب ليتوجه بما يملكه من خبرات وأحلام وطموحات لدفع حراك صناعة السينما في الدولة، خصوصا بعدما تجاوب الجمهور مع »دار الحي« وساهم في احتلاله مراكز متقدمة في شباك التذاكر على مدى (9) أسابيع.واليوم نستضيف مخرج هذا الفيلم ليسلط الضوء على تغيير الثقافة البصرية عند الجميع، وليؤكد أيضا أن حلم وجود سينما إماراتية أصبح واقعا ملموسا يتأثر ويؤثر في الناس.علي مصطفى كاتب ومخرج شاب، طموح وصاحب رؤية وبصمة سينمائية متميزة، حقق فيلمه القصير »تحت الشمس« صدى ايجابيا واسعا على الساحة الدولية وهو مشروع تخرجه من »لندن فيلم سكول«، حاز على جائزة أفضل مخرج إماراتي عام 7002.

عرض فيلمه »دار الحي« محليا وخليجيا وعالميا، كما شارك في العديد من المهرجانات ممثلا الإمارات، معبرا من خلال أحداثه عن فكرة التمازج وتعدد الثقافات التي تنقل واقعية التركيبة السكانية في دبي.لا يخفي سعادته من انتهاء مراحل تسويق فيلمه، حيث يتم عرضه في أكتوبر المقبل على طيران الإمارات، وفي شهر نوفمبر يطرح في أسواق ال(دي في دي) من خلال قرصين مدمجين، الأول يحتوي نسخة الفيلم مضيفا إليها (02) دقيقة حذفت من عروض صالات السينما، والثاني يقدم لقطات ومشاهد ولقاءات خلال تنفيذ الفيلم في الشوارع ولوكيشن العمل.يكرس غالبية وقته حاليا لمشاهدة الأفلام العربية، لأن طبيعة تربيته مع والدته البريطانية جعلته يهتم ويرى الأعمال الأجنبية منذ صغره، هو راصد ومحلل جيد يتعلم من الأفلام الأخرى ويواظب على مشاهدة تلك التي تحمل رسالة.

وفي لقاء داخل سينما (غراند حياة) بشارع الشيخ زايد، كان ل(الحواس الخمس) مع علي مصطفى وقفات سينمائية استعاد من خلالها ذكرياته عن أفلام حفرت بصمات راسخة وكان لها هدف على الصعيدين الإنساني والوجودي.

تجربة مفيدة

(اليوم يبدأ عرض فيلم (دار الحي) في مونتريال بكندا، بعد افتتاحه لمهرجان سيدني السينمائي باستراليا، وفي أكتوبر المقبل ينطلق في صالات السينما الأميركية بواشنطن من خلال رحلة مثيرة للتأمل).

بداية سلط من خلالها علي مصطفى الضوء على مشوار فيلمه في رحلة التوزيع الخارجي، معربا عن خوفه الذي لازمه في تنفيذ مشروع هذه التجربة على المستويين الفني والجماهيري، حيث استرسل قائلا:

لقد تعرضت لقضايا ومواضيع تطرح في البرامج والمسلسلات مثل إدمان الخمر ومعاملة الأزواج للزوجات بالضرب وسلوكيات أخرى سيئة، وهي أمور يمكن أن يتقبلها المشاهد من خلال التلفزيون لكن على شاشة السينما الكبيرة الوضع اختلف وسبب صدمة للبعض ما دفع أحيانا للإحجام عن متابعة الفيلم وفهم الرسالة التي أردت قولها في نهاية الأحداث.

وعموما كان استمرار عرض العمل في صالات السينما لمدة 9 أسابيع مفاجأة سعيدة بكل المقاييس فمثلا عند طرح فيلمي في الإمارات على 21 شاشة كان يعرض فيلم »كلاش أوف ذا تايتنس« على 25 شاشة، وحقق المركز الثاني في قائمة أكثر الأفلام مشاهدة في شباك التذاكر، واستمر احتفاظه بالمركز الثالث حتى بعد نزول فيلم »أيرون مان 2«.

وهو من الأفلام الأميركية الضخمة والتي لها جماهيرية كبيرة، أما على مستوى صالات السينما في منطقة الخليج الأمر اختلف لأنه لم يكن لدي ميزانية للدعاية والتسويق وكنت أتوقع أن صناعة ذلك من خلال شركات التوزيع، لكن التجربة مفيدة ومثمرة وتعلمت منها أشياء كثيرة أهمها ضرورة متابعتي ومشاهدتي للأفلام العربية لأتمرس على معرفة المشكلات والقضايا وأمسك بتلابيب ونمط الشخصيات، لأنني أحب أن أمثل السينما العربية بشكل عالمي.

رسائل الأفلام

(صورة أميركا مصنوعة بإبهار وتعمل على تصدير فكرة الحلم الأميركي للآخرين، ورسائل أفلامها لا تستفيد منها سوى التوجه الذي يريدونه تماما مثل الوجبات الأميركية السريعة غير المفيدة لكنها لذيذه عند غالبية الناس).

يرى علي مصطفى أن أفلام هذه الأيام من استوديوهات هوليوود وشركات التوزيع، لا نستطيع أن نخرج منها برسالة أو فكرة، طبعا باستثناء الأمور الموجهة التي يمررونها بهدف وغرض مقصود، ويؤكد ذلك قائلا:

منذ فترة بعيدة كان الأفريقي الأمريكي غير مرغوب على شاشة السينما ويظهر دائما بصورة المغتصب والمجرم والمرفوض، أما حاليا مع تولي أوباما منصب الرئيس اختلف الأمر وتغيرت الصورة وأصبحت مثالية جدا في بعض الأفلام وأحيانا مستفزة من طرحها بهذا الأسلوب.

ولاحظنا ذلك في فيلمي »2010 نهاية العالم«، وفيلم »سولت« الأخير لأنجلينا جولي حيث يظهر زميلها الأفريقي الأميركي انتماء وحبا لأميركا أكثر من غيره ويدفعها لمواصلة الحرب على الفساد في كل مكان وهي رسالة لها هدفها في هذا التوقيت بالذات.

حراك سينمائي

(نعم ليس هناك صناعة سينما في الإمارات، ومعنى ظهور فيلم كل عام أو اثنين ترجمة لهذا الواقع الذي بدأ يتحرك قليلا، ففي أكتوبر المقبل ينتج نواف الجناحي فيلما عالميا مع شركة امجينيشن أبوظبي).

يعتقد علي مصطفى أن السينما الإماراتية تسير كل عام بخطوات جيدة وناجحة جدا رغم كونها بطيئة وذلك للاعتبارات التالية: عمرها القصير الذي لا يتجاوز ثماني سنوات، عدم وجود أية معاهد متخصصة لتدريس السينما، والأهم من ذلك عدم وجود تاريخ حقيقي سابق، هذا الوضع خلق دون شك حالة من عدم استيعاب الحالة السينمائية لدى العديد من المخرجين الجدد على هذا المجال الوليد، وهذا أمر طبيعي، لقد كانت البداية صعبة جدا.

ولكن بالاجتهاد على تطوير الأدوات، وتكثيف مشاهدة الأفلام والتعرف الى السينمات المختلفة، وتوسيع مدارك الثقافة السينمائية الصحيحة تطورت بالنتيجة الأفلام نفسها، وهذا ما جعل الأفلام الإماراتية تصل إلى العديد من المهرجانات الدولية المهمة، فلقد أثبتنا أهمية أفلامنا داخل وخارج الإمارات، وجمهور هذه السينما في ازدياد ملحوظ من عام لآخر.

ويستطرد حول تمويل الأعمال السينمائية قائلا: الدعم الرسمي للأفلام الإماراتية حتى الآن بسيط للغاية، ولكن مقارنة للوضع اليوم مع بداية انطلاق الحركة السينمائية الإماراتية ووجود العديد من المهرجانات بالدولة صار الوضع أفضل بالتأكيد، هناك بعض الجهات التي تقدم دعمها في شكل تسهيلات خدمية أو معونات مادية بسيطة تعتبر متواضعة جدا في مجال كمجال السينما.

ولكنني أعتقد أن ما ينقصنا فعلا وبشكل أساسي هو وجود الممول والمنتج الحقيقي الذي يؤمن بقيمة السينما فنيا وتجاريا وأراه ممثلا في (توفور45) وشركة »امجينيشن أبوظبي« التي تجهز لأكثر من مشروع سينمائي مع مخرجين مواطنين.

سحر خاص

(أميل إلى الأعمال السينمائية التي تترك رسائل قوية وتجسد الواقع من خلال رموز ودلالات تحتاج إلي تركيز ذهني، ورغم صعوبة فهمها من المشاهدة الأولى يدفع الاستمتاع بها لرؤيتها أكثر من مرة).

يؤمن علي مصطفى بأن السينما من خلال أفلامها ذات التقنية العالية وأساليب الإخراج المتميزة، سيظل لها سحرها الخاص في التأثير في الجمهور، ويضرب مثلا على ذلك بفيلم »ماتريكس« الذي يراه أقوى وأعمق من فيلم »إنسيبشن« الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية وتدور أحداثه حول الأحلام.

ويتناول علي مصطفى فيلم »ماتركيس« الذي صنع منه ثلاثة أجزاء بالتحليل قائلا: تم إنتاجه في نهاية التسعينات، من تأليف وإخراج الأخوين واكووسكي (أندي ولاري)، ويستعرض عالما افتراضيا (ماتريكس) صنع من قبل آلات حسية واعية بغرض السيطرة على الإنسان وإخضاعه لاستخدامهم كبطاريات (مولدات طاقة) لصالحهم، عملية إدخال الكائنات البشرية ضمن برنامج الماتريكس الذي يجعل البشر يعيشون داخل هذا الواقع الافتراضي يتم عن طريق غرس أجهزة دقيقة جدا.

وضمن هذا الإطار يدخلنا الأخوان واكووسكي في سلسلة أحداث مليئة بالإثارة والمعارك مع طرح مجموعة من الأسئلة الفلسفية القديمة والحديثة، في جو من التشويق والتكنولوجيا الحديثة، وكل هذا جعل من (ماتريكس) غنيا بكل العناصر التي جذبت العديد من المشاهدين إلى صالات العرض لمشاهدته.

شخصية مانديلا

(»إنفكتوس« نموذج ناجح من أفلام السيرة الذاتية، قدم فيه مخرجه كلينت إيستوود، دراما شخصية مشغولة بإبداع عميق، وتركيز شديد، ولغة كلاسيكية منضبطة لها دلالاتها الإيجابية، وهو من الأعمال التي توقفت أمامها كثيرا).

يؤكد علي مصطفى أن هذا الفيلم نجح في أن يقدم سيرة ذاتية مختلفة، تختزل تاريخ شخص رائع كنيلسون مانديلا في فكرة مثالية عن الصفح والغفران وتجاوز آلام الماضي، وهو يقدم ذلك كله ببناء درامي متين، وحوار مختصر يميز مانديلا فيعطيه قدراً من الهيبة.

ويضفي على أفعاله وسلوكه معنى البلاغة الدرامية، وتغلغل (مورغان فريمان) في أداء شخصية مانديلا في عظمتها الإنسانية التي تجعلها قريبة من الآخرين في لحظات الدفء، ومتمايزة عنهم تمايزاً بالغاً في لحظات الإصرار على ترسيخ ثقافة التسامح.

وكان الصمت التأملي الذي يشغل العينين بالمعاني، يعكسه فريمان بمرآة صافية، بدا معها كما وصف نفسه: (سيد روحه) وأمام فريمان، تألق مات ديمون في أداء شخصية يمكن وصفها بأنها (ردة الفعل) فأهم مشاهد ديمون هي تلك التي يكتشف فيها بدهشة بالغة ما يفعله مانديلا، فيصبح أسيراً له، وفي عيني ديمون نقرأ الكثير عن مانديلا، وعن معنى ما يفعله من أجل المستقبل.

العمل المقبل

(فيلمي المقبل الذي أعمل عليه حاليا من إنتاج شركة إمجينيشن، ميزانيته أقل ولا تشكل 02% من حجم ما أنفق على »دار الحي« وفكرته بسيطة مثل تكاليف تنفيذه وأبدأ تصويره مع العام المقبل).

يفرج علي مصطفى عن فكرة مختصرة سريعة عن عمله الروائي الطويل الثاني فيقول: التجربة جديدة ومختلفة لا أقترب فيها من المواطن الإماراتي، لكنها تبدأ من الإمارات ومن خلال الكوميديا أتناول العرب وسلوكياتهم بشكل عام راصدا حياة مجموعة من الأصدقاء يسكنون في أبوظبي من (فلسطين، لبنان، مصر، والأردن)، يقررون السفر إلى بيروت في رحلة بسيارة ونتابع ما يحدث لهم في طريقهم ومرورهم من حدود دولة إلى أخرى.

دبي ـ أسامة عسل