كثيرون منا يقنطون ويسخطون إذا ما مسهم ضر أو هم أو مرض أو غم، وربما يعتقدون أن ذلك نقمة وغضب من ربهم، متجاهلين أن أكثر الناس بلاء هم الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل.
ويعتقد البعض أيضا أن رحمة الله لا تتسع لجميع مخلوقاته، بينما يقول المولى عز وجل. »وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ «®.
أيقنت بذلك حقا وأنا أطالع تجربة حقيقية تفوق الخيال غرابة وإثارة، تجربة رواها استشاري في جراحات القلب والشرايين، تتضمن الكثير والكثير من العبر، ننقلها على لسانه ببعض التصريف، حيث يقول.
في أحد الأيام أجريت عملية جراحية لطفل عمره سنتان ونصف، وكان ذلك في يوم الثلاثاء، وفي اليوم التالي كان الطفل في حيوية وعافية، لكن في يوم الخميس حدثت الصدمة، فإذ بإحدى الممرضات تخبرني بأن قلب وتنفس الطفل قد توقفا عن العمل، فذهبت إلى الطفل مسرعاً وقمت بعملية تدليك للقلب استمرت 54 دقيقة وطول هذه الفترة لم يكن قلبه يعمل، وبعدها كتب الله لهذا القلب أن يعمل حمدنا الله تعالى، ثم ذهبت لأخبر أهله بحالته.
وكما تعلمون كم هو صعب أن تخبر أهل المريض بحالته إذا كانت سيئة، وهذا من أصعب ما يتعرض له الطبيب لكنه ضروري، فسألت عن والد الطفل فلم أجده لكني وجدت أمه، فقلت لها « إن سبب توقف قلب ولدك عن العمل هو نتيجة نزيف في الحنجرة، ولا ندري ما سببه، وأتوقع أن دماغه قد مات®. فماذا تتوقعون أنها قالت؟ هل صرخت؟ هل صاحت؟ هل قالت أنت السبب؟
لم تقل شيئا من هذا كله، بل قالت. »الحمد لله «، ثم تركتني وذهبت®. بعد 10 أيام، بدأ الطفل في التحرك فحمدنا الله تعالى واستبشرنا خيراً بأن حالة الدماغ معقولة، بعد 21 يوما توقف قلبه مرة أخرى بسبب هذا النزيف، فأخذنا في تدليكه لمدة 54 دقيقة ولم يتحرك قلبه، فقلت لأمه هذه المرة. لا أمل على ما أعتقد، فقالت.
»الحمد لله، اللهم إن كان في شفائه خيراً فاشفه يا رب «، وبحمد الله عاد القلب للعمل، لكن تكرر توقف قلب هذا الطفل بعد ذلك 6 مرات، إلى أن تمكن أخصائي القصبة الهوائية بأمر الله أن يوقف النزيف و يعود قلبه للعمل، ومرت الآن 3 أشهر ونصف والطفل في الإنعاش لا يتحرك، ثم ما أن بدأ بالحركة إذا به يصاب بخراجٍ وصديد عجيب غريب عظيم في رأسه لم أر مثله، فقلنا للأم بأن ولدك ميت لا محالة، فإن كان قد نجا من توقف قلبه المتكرر فلن ينجو من هذا الخراج، فقالت. »الحمد لله «، ثم تركتني وذهبت®.
بعد ذلك قمنا بتحويل الحالة فورا إلى جراحي المخ والأعصاب، وتولوا معالجة الصبي، وبعد ثلاثة أسابيع بفضل الله شفي الطفل من هذا الخراج، لكنه لا يتحرك، إن الله مع الصابرين.
وبعد أسبوعين يصاب بتسمم عجيب في الدم، وتصل حرارته إلى 2,14 درجة مئوية، فقلت للأم. إن دماغ ابنك في خطر شديد لا أمل في نجاته. فقالت بصبر ويقين. »الحمد لله، اللهم إن كان في شفائه خيراً فاشفه «، فتذكرت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الجميل العظيم (طوبى للغرباء) مجرد كلمتين، لكنهما كلمتان تهزان أمة، لم أر في حياتي طوال عملي لمدة 32 سنة في المستشفيات مثل هذه الأخت الصابرة®. بعد ذلك بفترة توقفت الكلى، فقلنا لأم الطفل.
لا أمل هذه المرة لن ينجو، فقالت بصبر وتوكل على الله تعالى. »الحمد لله «، وتركتني ككل مرة وذهبت®. دخلنا الآن في الأسبوع الأخير من الشهر الرابع، وقد شفي الولد بحمد الله من التسمم®.
ثم ما أن دخلنا الشهر الخامس إلا ويصاب الطفل بمرض عجيب لم أره في حياتي، التهاب شديد في الغشاء البلوري حول الصدر، وقد شمل عظام الصدر وكل المناطق حولها، ما اضطرني إلى أن أفتح صدره واضطر أن أجعل القلب مكشوفا، بحيث إذا بدلنا الغيارات ترى القلب ينبض أمامك®. وعندما وصلت حالة الطفل لهذه المرحلة، قلت للأم.
خلاص هذا لا يمكن علاجه بالمرة، لا أمل، لقد تفاقم وضعه، فقالت كدأبها. »الحمد لله «، ولم تقل شيئا آخر®. مضى الآن علينا ستة أشهر ونصف وخرج الطفل من الإنعاش، لا يتكلم لا يرى لا يسمع لا يتحرك لا يضحك و صدره مفتوح، ويمكن أن ترى قلبه ينبض أمامك، والأم هي التي تساعد في تبديل الغيارات صابرة ومحتسبة®. هل تعلمون ما حدث بعد ذلك؟ وقبل أن أخبركم®.
ما تتوقعون من نجاة طفل مر بكل هذه المخاطر والآلام والأمراض؟ وماذا تتوقعون من هذه الأم الصابرة أن تفعل وولدها أمامها على شفير القبر، ولا تملك من أمرها إلا الدعاء والتضرع لله تعالى®. هل تعلمون ما حدث بعد شهرين ونصف للطفل الذي يمكن أن ترى قلبه ينبض أمامك؟ لقد شفي الصبي تماما برحمة الله عز وجل، جزاءً لهذه الأم الصالحة، وهو الآن يسابق أمه على رجليه كأن شيئاً لم يصبه، وقد عاد كما كان صحيحا معافى®. لم تنته القصة بعد، ما أبكاني ليس هذا®.
ما أبكاني هو القادم، فبعد خروج الطفل من المستشفى بسنة ونصف، فوجئت بأحد العاملين في قسم العمليات يخبرني بأن رجلاً وزوجته ومعهم ولدان يريدون رؤيتي®. فقلت من هم؟
فأكد أنه لا يعرفهم®. فذهبت لرؤيتهم، وإذ بهم والد ووالدة الطفل الذي أجريت له العمليات السابقة، عمره الآن 5 سنوات، وجدته موفور الصحة مثل الوردة اليانعة، كأن لم يصبه شيء قط طوال حياته، ومعهم أيضا مولود عمره 4 أشهر، فرحبت بهم وسألت الأب ممازحاً عن هذا المولود الجديد®. هل هو رقم 31 أم 41 من الأولاد؟ فنظر إلي بابتسامة عجيبة كأنه يقول لي. والله يا دكتور إنك مسكين®.
ثم قال مبتسما. هذا هو ولدنا الثاني®. بينما الولد الأول الذي أجريت له العمليات السابقة هو أول ولد يأتينا بعد 71 عاما من العقم، وبعد أن رزقنا به، أصيب بهذه الأمراض التي تعرفها®.
لم أتمالك نفسي وامتلأت عيوني بالدموع، وسحبت الرجل لا إرادياً من يده، ثم أدخلته في غرفتي، وسألته عن زوجته قائلا. حدثني عن زوجتك هذه التي تصبر كل هذا الصبر على طفلها الذي أتاها بعد 71 عاما من العقم؟ لا بد أن قلبها ليس بورا، بل هو خصبُ بالإيمان بالله تعالى®.
هل تعلمون ماذا قال؟ أنصتوا معي يا أخواني ويا أخواتي، وخاصة يا أيها الأخوات الفاضلات، فيكفيكن فخرا في هذا الزمان أن تكون هذه المسلمة من بني جلدتكن، لقد قال. أنا متزوج من هذه منذ 91 عاما، وطول هذه المدة لم تترك قيام الليل إلا بعذر شرعي، وما شهدت عليها غيبة ولا نميمة ولا كذبا®. وإذا خرجتُ من المنزل أو رجعتُ إليه تفتح لي الباب وهي تدعو لي، وتستقبلني وترحب بي، وتقوم بأعمالها بكل حب ورعاية وأخلاق وحنان®.
ويكمل الرجل حديثه قائلا. لا أستطيع مع كل هذه الأخلاق والحنان الذي تعاملني به زوجتي أن أفتح عيني فيها حياءً منها وخجلا®. فقلت له. ومثلها يستحق أكثر من ذلك.
القاهرة - دار الإعلام العربية
