يؤمن الناس بأن الله يعوض أولئك الذين يحرمون من إحدى حواسهم بأخرى تميزهم عن الآخرين..وهو تعويض يأتي على شكل رغبة في الحياة والعمل والتميز تدب في جسد هؤلاء.. من هؤلاء كان زكريا عباس ابن الثالثة والثلاثين.
فقد زكريا عباس بصره على مرحلتين..في سن الثالثة انطفأت عين الطفل اليسرى نتيجة إصابتها بمرض «الماء السوداء»..وعاد الطفل بعد نحو ست سنوات ليفقد البصر في عينيه اليمنى نتيجة تعرضه لصدمة قوية من أحد زملاء الدراسة أثناء اللعب، أدت إلى إصابة الفتى بانفصال لشبكية عينه اليمنى..وهروب النور منها.
لم يستطع عباس وهو طفل لم يعرف إلا القليل عن عالم الأطفال أن يصمد أمام مصيبته، فعاش أكثر من 11 عاما في إحباط واكتئاب مستسلما لظلام عينيه ومستقبله، دون أن تفلح محاولات الأهل والأصدقاء في إخراجه من عزلته الطويلة إلى أن تمكنت من ذلك زوجة عمه وهي مدرّسة، فاستغلت قدرتها على الحوار والنقاش، وأقنعت زكريا بالخروج من ظلام أفكاره ليتحدى إعاقته ويكمل دراسته ويقبل على الحياة.
هكذا عاد زكريا إلى الحياة من جديد، وقد رغب بمواصلة دراسته، فراسل جمعيات المكفوفين للدراسة، وخلال فترة قصيرة تعلم لغة البرايل رغم قناعاته بأن إمكانياته أكبر منها. وسرعان ما نال الشهادة الابتدائية وبدأ يستعد لنيل الشهادة الإعدادية التي حصل عليها لاحقاً بتفوق.
ومع تتالي سنوات النجاح استطاع زكريا أن يحول سنوات كآبته السابقة إلى محفز ودافع للعمل، فقد تمكن من حفظ واستيعاب مواد ومعلومات لم يكن يعرف شيئا عنها قبل أشهر، رغم أنه لم يلتحق بأي دورة أو يتلقى درساً خصوصياً فلا نتيجة عدم قدرة أهله على تحمل تلك الأعباء، مكتفياً بمساعدة عدد من المقربين، من بينهم معلمة تبرعت لإعطائه دروسا مجانية في اللغة العربية وبعض الأصدقاء في منهاج الرياضيات والفيزياء والكيمياء.
الظروف المادية الصعبة لزكريا عادت مجدداً لتحول دون إتباعه دورات خاصة من أجل نيل الشهادة الثانوية، وكان على زكريا الاعتماد على نفسه كالعادة، مستعينا بأصدقائه الذين سجلوا له الكتب على أشرطة كاسيت ليحفظها..وهكذا تقدم لامتحان الشهادة الثانوية للعام الدراسي 7002-8002 ونجح بمعدل كاف لدخول الجامعة..حيث التحق بجامعة تشرين بمدينة اللاذقية السورية لدراسة «علم الاجتماع» خلافاً لكثير من المكفوفين الذين يفضلون دراسة اللغة العربية، فكان الشخص الوحيد الكفيف الذي يدرس فرع علم الاجتماع.
أحب زكريا دراسة علم الاجتماع لغناه بالمعلومات وتحليله لظواهر المجتمع ومشكلاته، كما تعرف من خلاله على بعض مواد علم النفس التي علمته كيف يتجاوز إعاقته وكيف يتعامل مع الآخرين. كما جعلت منه شخصا طموحا، يؤمن بقدراته، ويعي أهمية وجوده في المجتمع وضرورة تفاعله مع زملائه وأصدقائه.
وبدافع هذا الحب تفوق عباس في جامعته كما كان في المراحل السابقة، ونشأت علاقة احترام متبادل مع أساتذته الذين عاملوه كما بقية الطلاب بعيدا عن الشفقة عليه. لتبقى مشكلة زكريا الوحيدة في التفاصيل اليومية، فالذهاب إلى الجامعة مشكلة حقيقة بالنسبة له، وهي مشكلة كان سابقاً يتجاوزها بفضل أمه التي كانت ترافقه أينما يذهب، وتنتظره غير مبالية بحر أو برد لكنها لاحقاً لم تعد تستطيع مرافقته لأسباب مرضية. ليتولى المهمة عنها أحد الأصدقاء الذي كان يدرس معه في الجامعة..إلا أن هذا الأخير أيضاً اضطر لعدم مرافقة زكريا ...
فلم يجد بداً من اعتماده على نفسه فكان يذهب لوحده بعد أن توصله والدته إلى الطريق الرئيسي الذي يبعد عن المنزل حوالي 005م ليستقل السرفيس باتجاه اللاذقية وأمام الجامعة ينتظره أحد الأصدقاء، وفي العودة تنتظره والدته في المكان السابق..وما بين هؤلاء جميعاً كانت تجري اتصالات هاتفية للتنسيق و انتظار زكريا.
المشكلة تعود لتتفاقم مع زكريا في فصل الشتاء بسبب تكون برك الماء والطين أمام منزل الشاب، واختصارا للإشكالات التي يسببها للآخرين أثناء تنقله واختصارا أيضا للتكاليف المادية يكتفي زكريا عباس خلال هذه الفترة بالذهاب إلى الجامعة ليومين فقط لحضور المحاضرات التي تعتمد على الفهم والحوار والنقاش، ويعوض عن ذلك بإحضار المحاضرات ودراستها في المنزل.
ويسعى اليوم زكريا لإكمال الدراسات العليا رغم ما يعنيه ذلك من ضرورة ذهابه إلى دمشق أو حلب، وقد تشكل إعاقته عائقاً أمام ذلك، لكنه لن يقف مكتوف الأيدي أمامها، لذلك فضل إكمال دراسته بحدود الإمكانيات المتاحة ليعمل بشهادته مستقبلاً، ويرغب أن يعمل مدرساً في الجامعة بنفس الاختصاص.
ويحاول زكريا تعلم العزف على العود دون معلم وذلك من خلال نوتات يحصل عليها من أشخاص يتعلمون على العود حيث يحلل تلك النوتات ويسجلها ثم يستمع إليها ويحاول تطبيقها على الأوتار لوحده.
عباس فرد من أسرة تتألف من سبعة أفراد، والده غياث عامل في ورشة بناء لكنه ورغم المعاناة الطويلة غير خائف على مستقبل ولده الذي أثبت قدراته في الدراسة والتفوق.
أما والدته رغدة أسعد فهي أكثر من تعب في مسيرة عباس منذ طفولته وحتى اليوم وقد عانت كثيرا ليصل إلى حيث يستحق. وهي ما تزال مستعدة لفعل المزيد من اجل ولدها الذي اعتادت أن تعامله كبقية إخوته حتى أنها تشجعه ليعتمد على نفسه حتى في الأمور الشخصية البسيطة وكان لها ذلك فهو يساعدها في الأعمال المنزلية ويحضر كذلك بعض الأطباق الشهية.
دمشق - ماهر منصور
