تعد الموسيقى التصويرية من أهم عناصر العمل الفني على صعيد الدراما التلفزيونية والسينما، بل إن البعض يعتبر أنها تشكل نصف العمل الفني على اعتبار أنها الوسيلة الأقوى التي توفر للمشاهد فرصة الاندماج في المشهد، حسب رأي بعض النقاد.

وعلى الرغم من أن تاريخ السينما مليء بالعديد من الأعمال الدرامية التي كانت الموسيقى التصويرية هي الحسنة الوحيدة الموجودة فيها، ومن أجلها أقبل الناس على مشاهدة العمل، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة ومع الاتجاه للاعتماد على أدوات التكنولوجيا الحديثة ظلت الموسيقى التصويرية تتأرجح بين الصعود والهبوط نتيجة تراجع إحساس المؤلف بها وتعامل المنتجين معها من ناحية أخرى على أنها شيء ثانوي.

واليوم يأخذنا ضيف متخصص كي يوضح الصورة أكثر ويقترب من موضوعات الأفلام وعالم السينما وعلاقتها بالناس من خلال الموسيقى التصويرية.

حلمي بكر ملحن مصري متميز، صاحب أكبر رصيد من موسيقى الأفلام، فقد لحن لأكثر من 052 تترا وموسيقى تصويرية لأفلام منها (جفت الدموع) و(الزوج العازب) و(تحياتي لأستاذي العزيز)، ولد بحي حدائق القبة في العام 7391 لأب احترف العزف على آلة الناي، له سبعة أشقاء ثلاث بنات وأربعة أولاد هو أكبرهم.

عشـق حلمي الموسيقى منذ طفولته المبكرة، فقد كان في منزله أكثر من جرامافون والعديد من الأسطوانات الغنائية التي لا تعد ولا تحصى أثرت فيه وتعلم منها الكثير، عشق التأليف والشعر والغناء والتحق بالمعهد العالي للموسيقى العربية، ورغم معارضة والدته لالتحاقه بمعهد الموسيقى فقد التحق أيضا بكلية التجارة لإرضائها، على أن يستمر بمعهد الموسيقى في الوقت ذاته، والذي أثبت به تفوقا كبيرا فتخرج فيه بدرجة جيد جدا بينما تخرج من كلية التجارة بصعوبة. وفي لقاء تم داخل منزله بالقاهرة ، ومع ذكرياته عن الموسيقى والأفلام، كان لـ(الحواس الخمس) مع حلمي بكر، هذه الوقفات.

القيمة الفنية

(الموسيقى التصويرية للفيلم هي القيمة الفنية الأولى له، فهي المعادل المسموع للمشهد السينمائي أو المسرحي أو التليفزيوني أو الإذاعي، وهي من العناصر الأساسية في صناعة الفيلم السينمائي أو المسرحية).

يرى بكر أن الموسيقى التصويرية تمثل قيمة هامة جدا للفيلم وقيمة خاصة فقد سبقت الموسيقى التصويرية الحوار في الأفلام الصامتة في فجر صناعة السينما العالمية والتي أبرزها أفلام تشارلي شابلن، فكان يتم التعبير عن المشاهد من خلال عرض الفيلم الصامت على الشاشة ويقوم الموسيقي أو عازف البيانو بعزف المقطوعات التي تناسب المشاهد المختلفة وعادة يتم اقتباس الموسيقى التصويرية الناجحة في صناعة الإعلان، فيعمل نجاح الفيلم وموسيقاه التصويرية على ربط المنتج بالفيلم ، فيثبت في أذهان الجمهور المستهدف.

حواس المشاهد

(الموسيقى التصويرية تضيف بعداً آخر للمشهد بإشراك الأذن وبالتالي حاسة السمع في الاندماج في المشهد وليس العين فقط وبالتالي حاسة البصر وحدها، تشكل الخلفية للمشهد وتصف المشاعر).

من وجهة نظر «بكر » تجسد الموسيقى مشاعر الجمهور، فإذا كان المشهد سعيداً تجد أن الموسيقى التصويرية تتسم بالبهجة لتكون المعادل المسموع للمشهد ولإيصاله للمشاهد بشكل أفضل، والعكس صحيح بالنسبة للمشاهد الحزينة، وينطبق نفس المبدأ على المشاهد الحماسية، ولعل أبرز موسيقى تصويرية جسدت الحماس هي موسيقى فيلم «روكي » بأجزائه من بطولة سيلفستر ستالون، كما شهدت بعض الأفلام المصرية اهتماما أكثر بالموسيقى التصويرية مثل فيلم «دعاء الكروان » الذي انتج عام 9591 من إخراج هنري بركات وقصه طه حسين وتدور أحداثه في إطار رومانسي درامي لحن له الموسيقى التصويرية اندريه رايدر وكان من أهم الأفلام المصرية التي أثرت فيها الموسيقى خاصة في جزئية تواجدهم على البحيرة، وكان من أقوى المشاهد التي تدرس فيها الموسيقى في السينما المصرية.

تأثير قوي

(لن نجد فناً من الفنون استفاد من الموسيقى مثلما فن السينما منذ تكوينه وحتى الآن، وستبقى الموسيقى مستخدمة في السينما طالما بقي هذا الفن). يقول بكر إنه لا أحد ينكر التأثير المباشر للموسيقى المستخدمة في الأفلام على المتفرج، وأهمية هذه الموسيقى كعنصر أساسي في الفيلم إلى جانب التصوير والديكور والماكياج والإضاءة، وغيرها من العناصر التي تخلق لدى المتفرج حالة من الجو النفسي الذي يزيد من قابليته الوجدانية في تلقيه الأحاسيس والانفعالات المختلفة التي تخلقها أحداث الفيلم..

أيضا ازدياد الاهتمام بالسينما وتطورها المتنامي أظهر الحاجة إلى وجود موسيقى خاصة لكل فيلم، وظهرت مهنة مؤلف موسيقى الأفلام، وهذا أدى إلى جذب العديد من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية الحديثة مثل سيرغي بروكوفييف الذي وضع موسيقى أفلام اينشتاين، وديمتري شوستاكوفتش الذي عمل في السينما منذ العام 4291 ووضع موسيقى لأفلام كثيرة ومعظم أعمال هؤلاء كانت تقدم في الحفلات الموسيقية كأعمال كلاسيكية، مثل السنفونيا لفون ويليامز من فيلم «اسكتلندي في القطب الجنوبي ».. في وقتنا الحاضر يعامل المؤلف الموسيقى فى الولايات الأميركية كنجم، ويظهر اسمه في إعلانات الأفلام بحجم اسم البطل.

كما أن الكثير من المقطوعات الموسيقية التي وضعت أساسا للأفلام صارت من كلاسيكيات الموسيقى الناعمة المنتشرة في العالم، مثل موسيقى «أنشودة لارا » لموريس جار والتي ألفها لفيلم «الدكتور زيفاغو» الذي قدمه عمر الشريف في بداية السبعينات، واختيرت في مهرجان برلين 0891 كأفضل عمل موسيقي على مدى أربعين سنة. والفالس البطيء لنفس الفيلم صار من المقطوعات الشهيرة. أما الآن فهناك أزمة كبيرة في مصر وهى عدم الاهتمام بملحني الموسيقى الخاصة بالأفلام.

تراث فني

(أنا نادر في اختياراتي وأحافظ دائما على مشاهدة الأعمال غير المشهورة وغير التقليدية، فمثلا احتفظ في مكتبتي بأفلام نادرة تركت علامات بارزة في السينما المصرية مثل فيلم «دعاء الكروان»، «لاشين »، «بابا أمين »، «صراع في الوادي »).

هذه الأفلام اعتبرها تراثا فنيا وثقافيا في تاريخ السينما لابد من الحفاظ عليه، كونها تحمل قيمة فنية عالية.. أما الآن فأصبحت الأفلام تابعة للموضة، فمثلاً هناك أفلام تناقش موضة المخدرات وأخرى موضة العشوائيات، وثالثة موضة أولاد الشوارع، لذلك مكتبتي حافلة فقط بالأفلام القديمة التي تحمل مضمون وأفكار هادفة.

مثل أفلام الثورة والأفلام السياسية وعلى رأسها فيلم «لاشين « الذي تم إنتاجه عام 8391 بطولة حسن عزت، نادية ناجي، حسين رياض، عبدالعزيز خليل ومن إخراج فريتز كرامب والفيلم تناول قصة «لاشين» قائد جيش أحد الحكام، فيما يدير شئون الحكم رئيس الوزراء الذي يتاجر بقوت الرعية، في حين أن الحاكم لا يقدم ولا يؤخر في شيء، فهو ضعيف الشخصية متعدد العلاقات النسائية، لذلك يحاول «لاشين » تنبيه الحاكم إلى ألاعيب رئيس الوزراء.

لكن يتم القبض على لاشين » بتهمة غوايته لجارية تحبه ويحبها الحاكم ويودع فى السجن.. فيثور الشعب الذي ضاق ذرعًا بأفعال رئيس الوزراء الظالم الذي استغل المجاعة للاستيلاء على السلطة، ومن ثم يتم الإفراج عن لاشين بأيدي الشعب وتعم العدالة في البلاد.. ويصور الفيلم صورة لبعض مراكز القوي في السلطنة من خلال القائد الخائن الذي يتعاون مع الأعداء «المغول» للقضاء على السلطان ومساعدة المغول في تولي العرش مع إظهار جانب آخر للشعب ونقل صورة واقعية للحياة المصرية في تلك الحقبة التاريخية إبان القرن الثالث عشر.

وإن كان يحمل دلالة على أحداث مصر قبيل ثورة يوليو.. والفيلم به الكثير من الجوانب المتميزة مثل الديكور الذي ظهر في أعلى مستوى حيث تم توزيع الإضاءة بحيث تناسب الموقف بدقة، والدرجات المختلفة الأبيض والأسود والظل والنور، كما استخدمت الإضاءة للتعبير عن عمق الشخصيات كما قام نيازي مصطفي بعمل مونتير الفيلم واستخدم معظم أساليب المونتاج في اختفاء أو ظهور تدريجي.. وكان أداء الأبطال في الفيلم على درجة عالية من التألق مثل البطل حسن عزت والبطلة نادية ناجي على الرغم من أنها التجربة الأولى في السينما لكليهما.

أفلام أحبها

(شاهدت مؤخرا فيلم «لا تراجع ولا استسلام » بطوله الفنان احمد مكي ودنيا سمير غانم، إخراج أحمد الجندي، لكن للأسف الفيلم لم يعجبني بالمرة، لأنه يحتوي من السفه والغباء ما لم أجده في فيلم آخر).

يواصل حلمي بكر حديثه عن الأفلام التي أثرت فيه ويحرص دوما على مشاهدتها من آن إلى آخر، منها فيلم «بابا أمين» بطولة حسين رياض، فاتن حمامه، كمال الشناوي، ماري منيب، هند رستم وإخراج يوسف شاهين، قدم هذا الفيلم بعد الحرب الثانية وقبيل قيام ثورة يوليو.

ويدور حول رب أسرة يرغب في الثراء السريع فيعطي صديقه كل ما يملك ليدخلا مشروعا تجاريا. ويحلم الأب أنه مات وصديقه رفض رد الأموال لأسرته، ما أدى إلى انهيارها، ويصحو الأب ليعمل على إصلاح أخطائه.. وقد اعتمد الفيلم على الفانتازيا التي كانت غريبة على السينما المصرية وقتها، حيث يصور حياة شخص بعد موته.

كما تدور أحداث العمل في شهر رمضان حيث استطاع المخرج يوسف شاهين نقل صورة واقعية للجو الرمضاني الجميل الذي خيم على كل أجواء الشوارع المصرية. أيضا، يعتز جدا بفيلم «حياة أو موت»، وهو من بطولة يوسف وهبي وعماد حمدي ومديحة يسري وحسين رياض ورشدي أباظة، تأليف وإخراج كمال الشيخ..

يحكي عن رجل يصاب بأزمة قلبية فيرسل ابنته للحصول على الدواء، لكن الصيدلي يكتشف أنه أخطأ في تركيب دواء قاتل، ويهرع لإبلاغ الشرطة على أعلى مستوياتها في العاصمة المصرية، والتي تبذل جهودا استثنائية في البحث عن الرجل المريض المرسل إليه العلاج والذي يجسده في الفيلم الفنان عماد حمدي، وبالفعل يتم إنقاذه قبل تناول الدواء.. وقد دخل الفيلم في المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي 5591 وحاز على جائزة الدولة عام 5591، وكذالك على جائزة أحسن فيلم من المركز الكاثوليكي المصري عام 4591.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية