مأساة إنسانية رهيبة أحسن القرآن الكريم حينما وصف من اكتوين بنارها بـ »المعلقات«، كما في قول الله تعالى آمراً الأزواج بتسريح الزوجات إذا وصلت الأمور بينهم إلى نهايتها: »فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة«®. لكن زوج »لبنى« أبى إلا أن يحبسها في سجن »المعلقات«، فلا هي زوجة تتمتع بحياتها، ولا هي مطلقة تنظر في مستقبلها. لكنها رهينة كلمة واحدة تحسم مأساتها، كلمة أبى الزوج أن يلفظها ما لم تفتد حريتها بمئة ألف جنيه®. وهذه مأساة أخرى بالنسبة لسيدة لا تملك من حطام الدنيا إلا كرامتها.
يتيمة الأبوين نشأت، وبين منازل أعمامها تنقلت، تخدم هنا وتُضرب هناك، حتى بلغت العشرين من عمرها ليستقر بها المقام عند أكبر أعمامها. عندها تقدمت جارتهم لتطلبها لابنها زوجة. لم ترتح إليه منذ اللحظة الأولى، إلا أنها قبلت به رغماً عنها بعد أن تعبت من الذل والهوان اللذين باتا قوتها اليومي، خاصة حرمانها من الدراسة بعد أن تم إخراجها من المرحلة الإعدادية بطلب من زوجات أعمامها اللواتي أردنها خادمة لهن، بينما بناتهن وصلن لمراحل متقدمة في التعليم.
تنظر »لبنى« إلى المجهول نظرة أسى قبل أن تقول: اعتقدت بأن حياتي ستتغير بعد زواجي، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، فمن خادمة في بيوت أعمامي إلى خادمة برتبة زوجة عند أهل زوجي، ومع ذلك تحملت وصبرت، فهنا لديّ غرفة خاصة بي أغلقها عليّ لأخلد إلى نفسي بعد تعب اليوم الذي يبدأ باكرا جدا، في البداية كان زوجي يوهمني بأننا سننتقل إلى منزل خاص بنا بعد أن تتحسن أحواله، ومع الوقت عرفت بأنه يكذب ولا ينوي العيش بعيدا عن والدته.
فما كان مني إلا الصمت، فلا أعرف بيتاً أذهب إليه إذا طلقني، بعدما أخبرتني زوجة عمي يوم زواجي بأنه لا مكان لديّ عندهم، فالغرفة التي كنت أشغلها مع الخادمة ستضيفها إلى المطبخ. لذلك صبرت على كل ما لقيت من أذى، خاصة بعد حملي بطفلي الوحيد، لكنني لم أعد أحتمل بعد أن فوجئت بزوجي يدفعني للخروج كي أتسول مستغلا يتمي وضعفي، حتى انفجرت فيه في أحد الأيام ووصفته بالضعف وعدم الرجولة والإنسانية.
وقلت له: »لا يوجد رجل حقيقي يترك زوجته تتعرض لما يجرحها ويحرجها«، فما كان منه إلا أن ضربني بعنف قائلا بلهجة تقطر شماتة وسخرية: »لولاي لبقيت خادمة ذليلة طيلة حياتك في منزل عمك«، وظل يضربني حتى فقدت الوعي، ولما أفقت وجدته قد أغلق عليّ باب الغرفة من الخارج قبل أن يغادر المنزل وأعطى ابني لوالدته ليبقى معها متهما إياي بالجنون، ليذهب بعدها إلى عمي شاكيا عصبيتي وهياجي لأقل كلمة تقال لي، سواء منه أو من أهله.
وأنه يخاف على الولد مني لذا يتركه مع والدته عندما يخرج، ولأن عمي لا يريد أن يتحمل مسؤوليتي من جديد صدق كل كلمة قالها زوجي، ولم يحضر ليتحقق مما سمعه، واكتفى بالاتصال بي هاتفيا، وطلب مني أن أنفذ كلام زوجي بلا نقاش.
وبمرور الأيام اعتاد زوجي ضربي وإعطاء ابني لجدته ليبقى معها طوال اليوم، لدرجة أنه صار يخاف مني كلما اقتربت منه لأحمله أو أطعمه، ففاض بي الكيل في أحد الأيام وحملت ابني وخرجت إلى الشارع، ولأنني لا أعرف مكاناً أذهب إليه صرت أهيم في الشوارع المحيطة حتى استبد بي التعب.
فجلست أستريح قرب أحد المنازل بعد أن تورمت قدماي وأخذ ابني يبكي جوعا، عندها طرقت باب المنزل وطلبت بعض الماء لأسكت به جوع ولدي وعطشي، فلما شاهدتني صاحبة المنزل يكاد يغمى علي طلبت مني الدخول، ولم تتركني إلا وأنا في أحسن حال مع ولدي بعد أن قدمت لنا الطعام، وسألتني عن قصتي وسبب خروجي في هذا الوقت لعلها تستطيع مساعدتي، فحكيت لها مشاكلي منذ بدايتها وحتى اللحظة التي أجلس فيها معها.
وطلبت منها المساعدة في البحث عن عمل لأعيش منه أنا وطفلي، وسكن يؤوينا لأنني لا أنوي العودة لزوجي من جديد، فأخذتني لصديقة لها تمتلك أتيليه أزياء وأخبرتها بمعاناتي مع زوجي، وطلبت منها أن توظفني وتوفر لي السكن مع بقية العاملات لديها، وهذا ما حدث. ولأكثر من عام بقيت مختفية عن أعين زوجي وأهلي دون أن يعرف مكاني أي أحد منهم.
وتشير »لبنى« إلى أنها سعت للخلاص من سجن زوجها فاتصلت به لتعرف هل مازال يبحث عنها أم لا؟، وما إن سمع صوتها حتى أخذ يصرخ وطالبها بالعودة للمنزل فورا للتفاهم في الأمر، لكنها رفضت وأخبرته بأنها لا تنوي العودة إلى الهوان والعذاب ثانية، وطلبت منه الطلاق، عندها انفجرت حنجرته بوابل من السباب والوعيد، مؤكدا أنه سيذيقها شتى صنوف العذاب.
تضيف: لم يكن أمامي سبيل سوى إقامة دعوى خلع، مثلما أخبرني بذلك المحامي الذي سألته السيدة التي أعمل لديها، لاسيما أن زوجي رفض الطلاق، وتهرب من مقابلة المحامي، وفي آخر مرة اشترط حصوله على مبلغ 001 ألف جنيه ليعطيني حريتي. ورفض أي محاولة للتفاهم أو الطلاق الودي، وبما أنني لا أملك المبلغ سأظل أسيرة في سجن المعلقات ما لم يجعل الله من أمري يسرا وأتمكن من جمع المبلغ.
وبصورة إنسانية ناشدت »لبنى« زوجها أن يسهم في حل القضية ودياً إكراما لطفلهما البريء، ويرحمها مما عانته من عذاب طوال رحلتها في الحياة®. وعلى الرغم من يقينها بأنه من النوعية التي لا تجود ولا تسامح بسهولة، فإنها تأمل خلال الشهر الكريم- إن طالع استغاثتها عبر »دراما الحياة«- أن يسرّحها بإحسان، وألاّ يذرها أبداً »معلقة«.
