تراثنا كنزنا. الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت ألوان أوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة.
وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الامارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الإطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات »التويتر« و»الفيس بوك« وال»يوتيوب«. »الحواس الخمس« اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الإمارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليه ونقله من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء، وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل.
الصقر طائر جميل وذكي وشجاع يمتلك صفات تليق بالرجال فاستطاع أن يستحوذ على إعجابهم منذ عصور مبكرة في التاريخ فقد عرف الصيد بالصقور عند السومريين والبابليين والفراعنة وقد وجدت صور وكتابات تبين معرفة الحضارات القديمة بصيد الصقور.
وهي هواية عالمية عرفت في بلدان الشرق والغرب، ولها في الإمارات حظوة خاصة فهي جزء من تراث عشقه أبناء الصحراء وتعلقوا به، فصار الشباب اليوم يتبارون في اختيار الصقر المميز والسفر إلى بلدان مختلفة لاختيار أماكن الصيد المناسبة.
ناصر سالم الكتبي واحد من الشباب الذين عشقوا الصيد بالصقور في سن مبكرة، يقول: بدأت باقتناء الطيور وممارسة الصيد منذ أن كنت في الثامنة عشرة من عمري، حيث كنت أرافق أبي إلى السيح واستمتع لما يقومون به وقد تعلمت الصيد بالصقور من والدي.
يضيف: هذه الهواية جزء من تراثنا وجدنا شيوخنا يهتمون بها ويقتنون الصقور ويحملونها معهم في رحلاتهم للقنص، وقد كانت الناس تسمي أبناءها على أسماء الصقور إعجابا بها وبقوتها، وهذا دليل على أن التعامل مع الصقور بخصوصية لم يكن جديدا على مجتمعنا.
ومن أنواع الصقور المعروفة في ذلك الوقت »الحر« ويكون لونه أشقر وهو كبير الحجم إضافة إلى الشاهين الذي يكون لونه أسود، والوكري ويكون لونه بنيا، ثم بدأ تهجين الطيور المخصصة للصيد حيث ظهرت أنواع متعددة منها السيبيري وجرودي وسيناري، وتستخدم كذلك إناث الصقور للصيد حيث تستخدم أنثى الحر وتسمى القرموشة وأنثى الشاهين وتسمى خميسية.
ويشير الكتبي إلى أن الصقور تصيد أنواعا مختلفة من الطيور منها الحبارى والكروان والدجاج البري والحمام وغيرها، والشاهين يصيد الطرائد الصغيرة بينما يمكن للصقر الحر أن يصيد الغزلان.
حيث تمتلك الصقور سرعة هائلة تصل إلى 981 ميلا في الساعة ويستطيع أن ينقض على فريسته بسرعة كبيرة فيضرب الغزلان في الوجه والعينين ويشل حركتها، ويجعلها لا تستطيع مقاومته، وهذا ما يجعله مثيرا للإعجاب يتعلق به الصقارون فهو يتميز بقدرات لا تتوفر في الطيور الأخرى.
وفي الماضي كان الرجل يصطحب للقنص صقوره للقنص مع كلاب الصيد السلوقية، وكلا النوعين يحظى باهتمام خاص في الدولة إذ توجد وثائق تثبت هويتها وملكيتها لصاحبها، وعادة يخرج الرجل مع صقر واحد أو اثنين.
بينما يمكن أن يحمل كبار القوم أكثر من ستة صقور معهم فهم يقومون برحلات طويلة إلى بلدان مختلفة بحثا عن الحبارى التي تكون مرغوبة جدا في القنص، وهناك من يشتريها بأثمان مرتفعة حين يتعذر قنصها في البلاد، والصيد لا ينتظر منه الربح وإنما هو هواية تربط الإنسان بالطبيعة وبالطيور وتنشئ علاقة بين الصقر وصاحبه تجعلهما متلازمان لا يفترقان، فكل منهما يسعى إلى هدف واحد هو القنص.
شروط الصيد
هناك شروط ينبغي ان تتوفر في الصقر ليكون مناسبا للقنص فيقول أبو خليفة: يجب ألا يكون الصقر كبيرا في السن حيث يتم اختيار الصقور اليافعة القوية للقنص، كما يفضل اختيار الصقر الوحشي أي الذي لم يترب في مزرعة لأن الصقر الوحشي الذي يعيش في البراري يكون مدربا على الصيد لحاجته للطعام فمهارته واضحة لممارسي الصيد بالصقور.
بينما يحتاج صقر المزرعة إلى وقت طويل للتدرب على قنص الطرائد، وقد سميت الصقور طيورا جارحة لأنها تتناول اللحوم، وفي موسم الصيد تجوع الصقور قليلا لتقوم بالقنص على أكمل وجه، فالصقر يصيد لأنه جائع، وهو الأمر المتناغم مع الطبيعة.
وللصيد بالصقور عدة أدوات يعرفها الصقارون ويحرصون على توفيرها وهي البرقع الذي يمثل غطاء صغيرا لعيني الصقر يناسب حجم وجهه ويصنع من الجلد حيث يكون مزخرفا وملونا يعطي جمالا حين يضعه الصقار على وجه الصقر ويربطه برباط خاص به.
وهو يحجب نظر الصقر حتى الوقت المناسب للقنص، وفكرة غطاء العين هذه عربية أخذها الأوربيون فيما بعد لأن الصقر يمكن أن يبقى طائرا يبحث عن الطرائد ما لم تعصب عيناه فهو يستطيع أن يرى بوضوح مسافة كيلومترات.
حماية ومهارة
ويجب على القناص أن يرتدي القفاز لكي يمكنه نقل الصقر من دون أن يؤذيه الطير بمخالبه والقفاز هو »قطعة من القماش السميك محشوة من الداخل بالخيش أو القماش الطري المكسو من الخارج بالمخمل والفتحتان مكسوتان بالجلد الطري أو البلاستيك الرقيق والمنجلة في مجمل صنعها سميكة وقوية تحمي يد الصقار، وهي لينة لا تؤذي مخالب الطير، ويسميها الصقارون المنقلة أو المنجلة وتكون فيها فتحة تسمح للصقار بأن يخرج أصابعه ويطعم صقره«.
وكذلك توجد أدوات أخرى للقنص منها الوكر الذي يمثل قاعدة من الحديد والخشب تصمم على شكل السهم تغرس في الأرض ليقف عليها الصقر، و»المخلاة« هي حقيبة توضع بها عدة الصقر وأدوات القنص، ولجذب الطائر أو تدريبه يستخدم »التلواح« الذي يكون عبارة عن أجنحة حبارى مربوطة يلوح بها للصقر فيعود ظنا منه أنها حبارى حقيقية.
أما السُبُوق فهو خيط سميك يجدل من البلاستيك عبارة عن خيط سميك ملون وأحياناً يصنع من البلاستيك يبلغ طوله حوالي ثلاثين سنتيمترا تربط به أرجل الطير بالوكر أو القفاز أما » المرسل« فهو الجزء الثاني من السبوق وهو خيط أسمك قليلا من سابقه يستخدم لمنع الطائر من الهرب يكون أطول من السبوق إذ يصل طوله الى 021 سنتيمترا.
وقد أصبح القناصون اليوم يستخدمون أجهزة تحدد الاتجاهات تكون مرتبطة بالأقمار الصناعية كما وضعت للصقور أجهزة تعقب لاسلكية يمكن عن طريقها معرفة مكان وجود الصقر حال عدم عودته.
وصار الاهتمام بالصقور وأدواتها أكثر تطورا فقد أنشئت في الدولة مستشفيات لعلاج الصقور كما تم تهجين الصقور لإنتاج سلالات قوية قادرة على القنص بشكل أكثر دقة وحيوية.
دبي - مريم إسحاق

