»لملم الحب أشياءه ورحل، ذهبت الرومانسية أدراج الرياح، الحب وهم شيطاني خادع، الزواج مقبرة الحب. إذا دخل المأذون من الباب خرج الحب من الشباك«®. هذه نوعية للعبارات التي تتردد على ألسنتنا يوميا ترحما على رحيل الحب، أو هكذا يعتقد القائلون بها. فهم لا يرون سوى النصف الفارغ من الكوب®.

دائما النصف الإيجابي مغيب ومندثر، فهل ذهب الحب حقا. الإجابة عن هذا السؤال تأتي واقعا عمليا من خلال حكاية زوجين عاشقين، زوجين لم تخدعهما الأفلام الرومانسية الهابطة، ولا روايات الأرصفة الرخيصة، بل كانا حالة فريدة من الحب الحقيقي، الحب الصادق، الحب النابع من الحب الإلهي.

فمثل أي شاب يطمح في تكوين أسرة سعيدة، قرر »صالح« الزواج، وطلب من أهله البحث عن فتاة مناسبة ذات خلق ودين تأسياً بالهدي النبوي الشريف، وكما جرت العادات والتقاليد في كل البلدان العربية المحافظة حين وجد الأهل إحدى قريباته، وشعروا أنها تناسبه، ذهبوا لخطبتها، ولم يتردد أهل الفتاة في الموافقة لما كان يتحلى به »صالح« من مقومات تغري أي أسرة بمصاهرته®.

وهكذا سارت الأمور كما يجب، وأتم الله فرحتهما، وفي عرس جميل متواضع اجتمع الأهل والأصحاب للتهنئة، وشيئا فشيئا بعد الزواج وبمرور الأيام لاحظ المحيطون بصالح هيامه وغرامه الجارف بزوجته وتعلقه بها، وفي المقابل استغرب أهلها أن لسانها لا يتحدث عن أحد مطلقا سوى زوجها »صالح«®.

حقا هم يؤمنون بالحب ويعلمون أنه يزداد بالعشرة، لكن الذي لا يعلمه الأهل أو لم يخطر لهم ببال أن »صالح« وعروسه »رشا« سيتعلقان ببعضهما إلى هذه الدرجة.وبعد مرور ثلاث سنوات على زواجهما بدآ يواجهان الضغوط من الأهل لعدم الإنجاب، فبينما أنجب من تزوجوا معهما طفلا أو اثنين، ظلا كما هما زوجين بلا ذرية أو بوادر تشير إلى اقتراب الحمل، فأخذت »رشا« تلح على زوجها بأن يكشفا عند الطبيب عل وعسى أن يكون الأمر بسيطا ينتهي بعلاج أو توجيهات طبية®.

لكن النتيجة جاءت بما لم يكن في الحسبان، حيث اكتشفت أنها عقيم، ولا أمل في الإنجاب®. وهكذا بدأت تلميحات أهل »صالح« تكثر، والغمز واللمز يزدادان، إلى أن صارحته والدته وطلبت منه أن يتزوج بثانية ويطلق زوجته، أو يبقيها على ذمته بغرض الإنجاب من أخرى، فطفح الكيل به وجمع أهله وقال لهم بلهجة الواثق من نفسه: تظنون أن زوجتي عقيم، ألا تعرفون أن العقم الحقيقي لا يتعلق بالإنجاب، إنما هو عقم المشاعر الصادقة والحب الطاهر العفيف®.

إنني أحمد الله أن زوجتي تنجب لي في اليوم الواحد أكثر من مائة مولود، وأجد نفسي راضيا بها، وهي راضية عني، ولا أقبل بأحد أن يتدخل في حياتنا بعد اليوم.وهكذا أصبح العقم الذي كانا يتوقعان وقوع فراقهما بسببه ،سببا اكتشفت به »رشا« مدى التضحية والحب الذي يكنه »صالح« لها.

وبعد مرور أكثر من تسع سنوات قضاها الزوجان على أروع ما يكون من الحب والرومانسية، هاجمت »رشا« أعراض مرض غريبة اضطرتهما إلى الكشف عليها بقلق في أحد المستشفيات، الذي حولهما إلى مستشفى تخصصي عادة ما يكون المحولون إليه مصابين بأمراض خطيرة®.

وبعد تشخيص الحالة وإجراء اللازم من تحاليل وكشف طبي، صارح الأطباء »صالح« بأنها مريضة بداء عضال حجم المصابين به معدود على الأصابع في الشرق الأوسط، وأنها لن تعيش كحد أقصى أكثر من خمس سنوات بأي حال من الأحوال والأعمار بيد الله. وستسوء حالتها في كل سنة أكثر من سابقتها، وأن الأفضل إبقاؤها في المستشفى لتلقى الرعاية الطبية اللازمة إلى أن يأخذ الله أمانته.

لكن »صالح« لم يخضع لصدمة الأطباء، ورفض إبقاء زوجته وحبيبة قلبه لديهم، قاوم أعصابه كي لا تنهار، وهكذا عزم على تجهيز شقته بالمعدات الطبية اللازمة لتهيئة المناخ المناسب كي تتلقى زوجته به الرعاية®.

باع كل ما يملك واستدان وأخذ قروضا بضمان عمله حتى يتمكن من توفير الرعاية الطبية اللازمة®. كما استقدم لزوجته ممرضه متفرغة كي تعاونه في القيام على حالتها، وتقدم بطلب لإدارته ليأخذ إجازة بدون راتب، لكن طلبه قوبل بالرفض، فكان ينهي عمله على أحر من الجمر ليسارع إلى بيته ليقضي باقي ساعات يومه عند زوجته، يلقمها الطعام بيده، يضمها إلى صدره، يحكي لها القصص والروايات ليروح عنها®.

وكلما تقدمت الأيام زادت آلامها، و»صالح« يحاول جاهدا التخفيف عنها، وكانت في السر قد أعطت ممرضتها صندوقا صغيرا طلبت منها الحفاظ عليه وعدم تقديمه لأي كائن كان، إلا لزوجها إذا وافتها المنية.

وفي أحد الأيام بعد صلاة العشاء، كان الجو ممطرا، أخذ »صالح« ينشد الشعر على حبيبته ويتغزل في عينيها، فنظرت له نظرة المودع وهي مبتسمة، نزلت دمعة من عينه لإدراكه بحلول ساعة الصفر®. وشهقت بعد ابتسامتها شهقة خرجت معها روحها، وكادت تأخذ من هول الموقف روحه معها.

بعد يومين من رحيل الزوجة جاءت الممرضة إلى »صالح« فوجدته كالخرقة البالية، واسته، وقدمت له الصندوق الصغير موضحة أن زوجته طلبت منها تقديمه له بعد وفاتها®. فماذا وجد بالصندوق؟

وجد زجاجة عطر فارغة، هي أول هدية قدمها لها بعد الزواج®. وصورة لهما في ليلة زفافهما®. وكلمة: »أحبك في الله« منقوشة على قطعة مستطيلة من الفضة، وأعظم أنواع الحب هو الذي يكون في الله®. ورسالة قصيرة تقول:

(زوجي الغالي: لا تحزن على فراقي، فوالله لو كُتِب لي عمر آخر لاخترت أن أبدأه معك، لكن أنت تريد وأنا أريد، والله يفعل ما يريد®. وكلمتي الأخيرة لك يا زوجي الحبيب أن تتزوج بعد وفاتي، حيث لم يبق لك عذر، وأرجو أن تسمي أولى بناتك باسمي، واعلم أني سأغار من زوجتك الجديدة حتى وأنا في قبري).

القاهرة. دار الإعلام العربية