لا يستطيع المرء متابعة مسلسل »أبواب الغيم«، المأخوذ من خيال وأشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، دون أن يتوقف عند الزخرفة الفنية والبناء المعماري المعشق للحكاية التي تمضي في صحراء شبه الجزيرة العربية.
وهي تنبش عن علاقات وصلات تعيد للماضي رونقه وتسلط الضوء على ما يحدث ضمن لعبة إسقاط ذات صيغة دلالية محكمة.
ولعل في فضاء الحكاية ما يتيح المجال أمام تصنيف آخر لهذه الدراما كأن يقال عنها الدراما التاريخية الحديثة، او الجانب الراقي، والنبيل في الدراما البدوية، وهي تكشف عن كثير من بؤر الجمال والصراع والخير والشر في مرحلة يشكل أبواب الغيم فيها قراءة واعية وناضجة لها، وندّعي في هذا السياق أن الدراما العربية لم تطأ هذه المجتمعات. ولم تتعرض لها، ولو عرضا في شكلها الزماني والمكاني، وكأني بأبواب الغيم يمضي في المجتمعات الخليجية محققا نجاحات مهمة لجهة متعة الكشف عن حال القبائل الخليجية للعارفين بهذه المجتمعات أولا.
ولجهة جماليات المكان وصور الحياة المختلفة بخيرها وشرها، وحركة الأجيال ثانيا، وإلى جانب قصص منتقاة تعكس نبض المجتمعات البدوية كان أمام المخرج خيارات صعبة لتقديم رؤية فنية تتناسب والحكايات المرصودة أمامه، ولعل المخرج حاتم علي في عمله الجديد هذا استعان بأكبر قدر من المعدات والتقنيات الالكترونية والغرافيك، وهي من بين الخيارات المتاحة التي تعطي انطباعا بطبيعية المشهد، كما تستفيد من مساحات الصحراء والشكل الفني الذي وقع الاختيار عليه.
في »أبواب الغيم« حالة من الكشف عن علاقات متينة بين أهل الشام وأهل الخليج، ولعل الاقتراح البصري بإدخال رقصة المولوية وتأثيراتها الصوفية قد وجه العمل باتجاهات مفتوحة على أكثر من صعيد، وإذا كان البعض استغرب إدخال المولوية كرقصات ومنهج في الفرجة والتصوف فإن الحكاية استفادت بتحقيق جانب قد لا يكون له علاقة مباشرة بالفانتازيا كما تم جر العمل إلى ميدانها، إلا إذا افترضنا وقوف أهل المولوية على أبواب المدينة.
ومطالبتهم بالرهينة الطفل النائم الأسير لدى الأمير، وقد خفنا حقا كمشاهدين أن يكون هناك تقليد لخدعة حصان طروادة، ولكن الحل التقني للعمل شكل بوابة فنية وفتح الآفاق أمام خدعة عربية ربما ترقى لحل طروادة العسكري الذكي البحت!
ونجد في حلول حاتم الفنية قد حققت شكلا من أشكال التقارب الاجتماعي بين المجتمعات العربية أولا، ثم استفادت فنيا مما يمكن أن نقول عنه معادل موضوعي للحكاية، وهذا ضمن الشرط الفني مقبول، بل مشروع أيضا، وفي شبه الجزيرة العربية مضى العمل يحكي عن دور الانجليز في المنطقة وحضور العثمانيين وردة فعل العرب على هذا الحضور.
ونعتقد أن فضاء الحكاية يمضي باتجاه ما يسمى بالفلاش باك، أو الارتجاع خلفا كما تسمى دراميا، ضمن سيرة يرويها شاب بدوي حل ضيفا على بيت أحد المقيمين الانجليز في المنطقة، وما بين السيرة الشفهية والأحداث الدرامية هناك أجيال تكبر وتتبدل وهناك شخصيات تدخل العمل، ولعل خيار الممثلين يدل على الاقتراب أكثر من واقع الحياة البدوية.
وتدهشنا صبحة، الفنانة سلافة المعمار، بأدائها الساحر المفعم بروح القبيلة وحضور العربية المتمردة، والعاشقة الحقيقية، والذين راهنوا على بياض بشرة سلافة وعينيها الزرقاوين يجد طيفا لهذا، وظلا بعيد أمام فتاة حافية القدمين، وقد ارتدت في قلبها، وروحها موهبة قل نظيرها، وكذا حال عبد المحسن النمر الفنان السعودي الموهوب.
وهو يكشف عن جانب مهم من لياقة الفنان وسرعة بديهته، وذكائه في التعاطي مع الكاميرا، ولعل أبواب الغيم سيترك ل»مجول« خيارات فنية مفتوحة، وللنمر موقعا مغايرا بين الفنانين العرب، ولا يجوز للمرء أن يمر عرضا بجانب الاحتراف العالي الذي يؤديه الممثل الكبير غسان مسعود، بن رماح، في الغيم، التي تفتح أبوابها له.
وهو يحقق حضورا عالميا بكل ما تعنيه الكلمة، رشاقة بالحركة وسرعة بالرد، ونظرة ثاقبة تكشف عما يدور في خلده، وهي بحق سمات الفنانين الكبار، ولا يمر المرء عرضا حتما تجاه قصي خولي ونجاح سفكوني ومحمود سعيد ونادرة عمران وجولييت عواد وندين نجيم.
وفيما كانت أعمال حاتم علي تسعى إلى الدخول للحكاية في باب الإثارة وإظهار قوة العمل الفنية من المشاهد الأولى للحلقة الأولى، إلا أنه هنا لجأ إلى خيار مغاير ذلك القريب من عوالم الرواية التلفزيونية التي تسعى إلى تكوين كرة ثلج تكبر بتتالي الأحداث في صيف أبواب الغيم اللاهب، ولعل الحلقات المقبلة قد تكشف عن حقائق وتفاصيل برسم عمل درامي كبير.
شعر ملحمي ومشهدية آسرة
»ياويل حالي من صروف الليالي«، هكذا بدأ بن رماح الشخصية التي يؤديها الفنان غسان مسعود رثاءه لأولاده الثلاثة الذين قتلهم سم الأفعى الذي نفثته في لبنهم في مشهد كبير يعتبر من الحالات الدرامية الآسرة في الدراما العربية وبشعر منطوق لا يقل قوة وتعبيرا عن حالة الموت، كتبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
وهو محمل بالحالة الدرامية، ومكثفا للحالة الإنسانية، لما فعله الموت بسيد القوم، وتراه بن رماح يطالب موقنا أن لا أهمية لطلبه وهو يقول »من ياخذ بثاري إذا الموت جاري« مناجيا أولاده »كنت أرتجيكم للفخر والمعالي«، ولعل اقتراب الشعر من وهج الحالة يؤجل النثر في مشهد كهذا، ويجعل من الكلمة سيدة لهذا الموقف. ولعل عشق المتابعين لهذا المشهد قادهم إلى تسجيله وتناقله عبر هواتفهم المتحركة، إضافة إلى أغنيتي المقدمة والخاتمة التي غناها الفنان حسين الجسمي.
دبي - جمال آدم

