»بين الهندسة والسينما صلة نسب«، هكذا وصف المخرج الشهير خالد يوسف وضعه عندما تحول من مهندس في قسم الكهرباء ليس له علاقة بالفن السينمائي إلى مخرج سينمائي مشهور همه تقديم صورة واضحة للواقع على شاشة السينما.
فهو مخرج مبدع بكل المقاييس استطاع أن يكسب ثقة البسطاء والأغنياء، وأصبح علامة من علامات السينما المصرية في وقت قصير، وعرف عنه أنه مخرج مثير للجدل لقبه البعض مؤخراً بمخرج العشوائيات.يؤكد دائماً أن يوسف شاهين هو أستاذه الأول، وله تأثير كبير في حياته، وقال عنه »إن جو« هو الذي بناني كفنان له رؤية خاصة، وتعلمت منه فنون السينما والإخراج والتمثيل.خالد يوسف فلاح بسيط من كفر شكر تربى وترعرع فيها ورغم غياب ما يسمى بمسرح المدارس هناك فإنه قرر أن يبدأ حياته الفنية منذ صغره حتى أصبح عضواً مهماً في مسرح كلية الهندسة جامعة بنها.
له نظرة خاصة لحقوق المرأة في المجتمع، فتربيته القروية خلقت بداخله حباً شديداً للدفاع عن حقوق الآخرين في مصر، فهو يرى أن المرأة نالت حقوقها منذ عهد الفراعنة، وكانت عنصراً رئيسياً من عناصر الإنتاج في المجتمع المصري، إلا أنه بمرور الوقت قلت هذه الحقوق، ولذلك جعلها فكرته التي ينوي تحقيقها كما فعلها قبله قاسم أمين، لكنه قرر أن يكون هذا الدفاع من خلال الأفلام السينمائية. يؤمن خالد يوسف بأن النجاح يكون في التقاء ثلاثة أشياء الموهبة والدأب في العمل والتوفيق من عند الله، وحتى ينجح الفنان لابد أن يبدأ بأفلام حزينة حتى يصل بمشاعره للجمهور، لذلك بدأ بفيلم »أنت عمري«.
ويوضح أن أكثر اهتماماته المشي في الشوارع والبحث عن إنصاف المظلومين، حتى إنه رشح نفسه نقيباً للسينمائيين في الدورة الأخيرة سعياً وراء خدمة زملائه. وحول السينما في حياة خالد يوسف والتحولات التي تشهدها، كان ل(الحواس الخمس) معه التوقفات التالية التي تحدث فيها بجرأته المعهودة.
الأزمة الأولى
(الرقابة ستظل هي العائق أمام النجاح السينمائي في مصر، فمنذ اختراع قوانين الرقابة وتدخل الأزهر والكنيسة ووزارة الداخلية في الرقابة أصبحت تمثل لدى المجال السينمائي أرقاً في الإبداع الفني المتميز).
يعترف المخرج خالد يوسف بأن العقبة الأولى أمام العاملين في المجال السينمائي التي أدت إلى التراجع الشديد في مستوى السينما المصرية، وبالتالي أزمة السينما العربية هي الرقابة، فهي في مصر لم تعد مقصورة على الهيئة التابعة لوزارة الثقافة المسماة »هيئة الرقابة على المصنفات الفنية«، بل امتدت إلى رقابة الدين الممثلة في الأزهر الشريف، والكنيسة.
وكذلك المجتمع، ولذلك عندما أدخل أي فيلم تواجهني خلافات تصل إلى ثلاثة أشهر مع الهيئات، وأنا أزعم أنني مخرج مهتم بقضايا المجتمع أكثر من اهتمامي بذاتي، وأفاجأ بآراء آخرين تقود السينما إلى الاندثار في التراب، فما الفائدة منها إذن أي السينما، إذا كانت تسعى للحد من المواهب والإبداع؟!
تيار الكوميديا
(زيادة الأفلام الكوميدية هي السبب وراء قلة عدد الأفلام التي يتم إنتاجها بل تعد السبب الرئيسي وراء التراجع الواضح للسينما المصرية بشكل عام، وأصبحت تياراً مزعجاً يعتمد على الاستسهال والمبالغة).
وعن قلة الأعمال السينمائية وتراجعها أمام الدراما، قال يوسف: عانينا طويلاً منذ التسعينات من قلة عدد الأفلام وتقلص سوق الفيلم المصري، ففي حينها لم تكن هناك قنوات فضائية تشتري الأفلام.
كما أن دور العرض نفسها لم تكن كافية مثلما هو الحال اليوم، ناهيك عن منافسة الفيلم الأميركي، وكان العائد كله من السوق الداخلية فقط، وفي هذا التوقيت جاء فيلم »إسماعيلية رايح جاي« من إخراج كريم ضياء الدين وبحسب كلام خالد يوسف، كانت قبلة الحياة للسينما المصرية التي كادت تحتضر.
لكن للأسف فإن المنتجين آثروا الاستسهال وقدموا عشرات الأفلام الكوميدية التي تضمن أموالهم بدلاً من المخاطرة في فيلم جاد، وهذا ما صنع الأزمة وجعل 09% من الأفلام كوميدية، وبالتالي ظلت السينما المصرية لا تعبر عنا لفترات طويلة.
الأعمال التاريخية
(أحب الأفلام التي تنقل الواقع المصري؛ لذلك أهوى بشدة الأفلام التاريخية التي تحكي قصة تاريخية لمجتمع ما ولكن الأزمة أن هناك غياباً شبه كامل للتاريخ في السينما المصرية).
يحب يوسف الأفلام التاريخية، ويرى أنها واقع اجتماعي، ويقول: الأفلام التاريخية فتحت الطريق أمام السينما المصرية، ولكن أنا حزين لأن هناك مفارقة مذهلة في أن يكون لدينا تاريخ مثل تاريخ القدماء المصريين.
ولا تنتج السينما المصرية في مائة عام إلا فيلما واحدا هو »المهاجر« وأثار ضجة رهيبة وقت عرضه وترشيحه لجوائز مهرجان كان، وهو يعكس تصوراً مختلفاً لقصة نبي الله »يوسف« التاريخية من بطولة خالد النبوي الذي يجسد دور »رام« الذي يعيش مع أبيه العجوز في قبيلة فقيرة على أطراف مصر.
ويرفض الفقر الذي تعيشه قبيلته فيقرر الهجرة إلى مصر لتعلم فنون الزراعة، ويستطرد يوسف: هذا الفيلم أوضح كيف كانت مصر ـ الفراعنة هي محور الحضارات أجمع، فكيف لا يكون لدينا فيلم تاريخي واحد عنها؟
وفي ظني هذا التقصير يعود إلى غياب مؤسسات ثقافية كبيرة كان من المفترض أن تدعم هذه النوعية من الأفلام، فالمنتج الفرد لا يستطيع أن يتحمل صناعة فيلم تاريخي تكون تكلفته أربعة أو خمسة أضعاف تكلفة الفيلم العادي. لماذا يغامر بأمواله في فيلم من هذه النوعية؟!
الحل الوحيد هو أن تسهم الدولة بجدية في دعم هذه الأفلام سواء بالإنتاج المباشر أو بفتح منافذ جديدة وسوق جديدة للفيلم التاريخي بخلاف السوق التقليدية، لكن الدولة لا تقوم بهذا ولا ذاك، لأنها لا تعتبر السينما مجالا جادا يستحق الدعم، بل تريدها مجرد ملهاة ليلية للتسلية. وأشير للستينات مرة أخرى، حين كانت الدولة تقدر قيمة السينما وقدرتها على تجاوز الحدود الإقليمية الضيقة، كان الاهتمام موجودا وجادا.
التأثير المتميز
(السينما لا تؤدي إلى ثورة، بل الثورة هي التي تؤدي إلى سينما حقيقية، فالوضع المزري الذي وصلت إليه السينما يتطلب من الممثلين العودة إلى إنتاج أفلامهم بأنفسهم للقضاء على هيمنة رجال الأعمال).
يرى خالد يوسف أن السينما فقدت رونقها وسحرها، فلم يعد الجمهور يذهب إلى السينما ليشاهدها ويتأثر بها وتؤثر فيه، فالأفلام التي عرضت أيام الملكية كانت سبباً رئيسياً في قيام ثورة يوليو، وكانت السينما وقتها تؤثر، ويتذكر يوسف فيلم »فتاة من فلسطين« الذي أنتج في نهاية الأربعينات، ويقول:
في هذا الوقت كان الوطن العربي كله يغلي بسبب ما تقوم به العصابات الإسرائيلية من فظائع ضد الفلسطينيين، وكانت المظاهرات في مصر تغطي كل شبر فيها، مطالبة بالتدخل السريع إنقاذاً للبلد المقدس.
حيث القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين، وقد انفعل محمود ذو الفقار الممثل والمخرج بهذه الأحداث، وراعه ما يحدث للفلسطينيين، فقرر إنتاج فيلم يقوم ببطولته وأمامه وجه جديد يمثل فتاة فلسطينية جاءت إلى مصر، بحثاً عن أقاربها بعد أن فقدت أهلها في غارة إسرائيلية على قريتها.
ويشير إلى أن الإقبال على الفيلم كان شديدا، وقدمت فيه سعاد محمد عدة ألحان ممتازة وجدت طريقها سريعاً إلى قلوب كل مستمع عربي، خاصة أنشودتها في الفيلم. هذا هو التأثير المتميز للأفلام، أما الآن فقد فقدت سحرها ورونقها.
أفلام العشوائيات
(الأعمال التي تتحدث عن العشوائيات وتنقل واقع المجتمع من الأفلام المهمة لما تنقله من قضايا مجتمعية، وفيلمي »حين ميسرة« و»أمريكا شيكا بيكا« هما اللذان فجّرا الظاهرة التي تسمى موجة أفلام العشوائيات).
يؤكد يوسف أن فيلم »حين ميسرة« استطاع التمرد على اقتصادات السوق السائدة ومعه بالطبع منتج أفلامه كامل أبوعلي، ويواصل قائلاً: هذه النوعية من الأفلام التي بدأت ب»أمريكا شيكا بيكا« الذي أنتج في أوائل التسعينات وقدمه محمد فؤاد وشويكار وإخراج خيري بشارة.
وكان يحكي عن العوامل التي تجعل الشباب يلجأون للهجرة غير الشرعية، وأكملتها ب»حين ميسرة« الذي أنتجته منذ عامين، وشرحت من خلاله أزمات أطفال الشوارع والعديد من القضايا المتواجدة في المجتمع التي يخاف الكثيرون من التطرق لها ـ أعدت فيها السينما إلى روح الحارة المصرية، لأن هذه النوعية من الأفلام أبعدت المقاولات التي سيطرت على السوق فترة طويلة، والمنتج كامل أبوعلي أخذ وقتاً طويلاً كي يقتنع بفيلم »حين ميسرة« لأنه صادم، وهذان الفيلمان موجودان دائماً في مكتبتي الخاصة.
ولا أنسى فيلم »هي فوضى« وهو آخر أفلام أستاذي الراحل يوسف شاهين، وهو أيضاً فيلم يحكي عن الواقع المرير في المجتمع المصري، وقدمه خالد صالح ومنة شلبي، فأنا أشعر بأني إنسان من الشارع المصري، وواجب عليّ أن أقدم تلك الأفلام التي تناقش قضاياه.
السينما الأميركية
(السينما الأميركية الآن لا تحاكي الواقع الأميركي كما كانت، وهو ما يفسر نجاح أفلام الخيال العلمي والأكشن أكثر من الأفلام الاجتماعية أو السياسية لهذه النوعية من الأفلام، وهذا أيضاً ما وصلت إليه مصر).
يؤمن خالد يوسف بأن السينما الواقعية هي الأقرب لقلب الجمهور الذي تابعها، ولذلك فقدت السينما الأميركية سحرها في التأثير على الجمهور، فأصبحت مشاهدتها من أجل المتعة البصرية التي تعتمد على التكنولوجيا، والمشكلة أيضاً أن حوالي 20 في المائة فقط من المنتج السينمائي في مصر هو الذي يعبر بصدق عن الشخصية المصرية.
والباقي مجرد أنماط استهلاكية مثل السينما الأميركية، صحيح أن الأفلام الحقيقية زادت بشكل واضح أخيراً، لكن هذا ارتبط بعودة مجموعة من كبار مبدعينا للعمل السينمائي، في تقديري سيشهد نهضة سينمائية.
القاهرة - دار الإعلام العربية


