ربما يكون من المستساغ أن يقدم أحدنا على ارتكاب إحدى الموبقات مهما كانت جسامتها في أحد أماكن اللهو، أما أن يتم ذلك في المكان الوحيد على ظهر الأرض الذي يفضي إلى الدار الآخرة.
فهذا أمر عسير الاستيعاب والتصديق، والأدهى أن يكون الجرم المرتكب من أشد الفواحش وأعظم الكبائر®. اغتصاب طفلة أخرجها الفقر من مدرستها وبيت أسرتها لتبيع الخضروات في إحدى الأسواق، فإذ بذئبين انتزعت الرحمة من قلبيهما يتربصان بها، ويستغلان ضعفها ووهنها ليستبيحا أعز ما تملك.
على بعد نحو مائة كيلو متر غرب العاصمة المصرية القاهرة تقع محافظة الفيوم®. وكعادة »سمر« التي تبلغ من العمر 31 عاما منذ تركت المدرسة لتساعد والدتها في بيع الخضار للإنفاق على أشقائها السبعة، استيقظت في السادسة صباحا، أدت ووالدتها صلاة الصبح.
ودونما إفطار خرجا إلى سوق القرية، انهمكت سمر ووالدتها في البيع حتى مغيب الشمس، همست الفتاة في أذن أمها تخبرها برغبتها في قضاء حاجتها، ولأن سوق القرية بدائية تخلو من أي دورات للمياه، لم يكن أمامها إلا قضاء حاجتها في المقابر القريبة من السوق، نظرت إليها الأم نظرة تعني أن تكون على حذر. وببراءة اندفعت دون أن تدري أن هناك عيون خائنة جائعة تتربصها، عيون ذئبين آدميين.
حتى آخر نفس
تلفتت سمر في حذر وهي تدخل إلى المقابر، وقبل أن تهم بقضاء حاجتها أحست بحركة من خلفها، اقترنت بأنفاس محمومة تتصاعد في جنون، وقبل أن تلتفت في ذعر، كانت مخالب الذئبين تنشب في جسدها الواهن، صرخت في جزع ورعب، إلا أن أحدهما أسرع يكتم أنفاسها.
بينما راح الآخر يحاول انتزاع ثيابها بكل ما أوتي من قوة، راحت تصارعهما بكل قوتها، لكن الأمر كان محسوما، فخلافا لضعف بنيتها، كان الجانيان وكأن شياطين الجحيم ضاعفت قوتهما فتشبثا بفريستهما التي لم تلبث أن خارت قواها وهوت بين مخالبهما فاقدة الوعي، بعد أن ذادت عن شرفها حتى آخر نفس®.
بعدها نفذ الجانيان جريمتهما الحيوانية، ساعتها فقط لاذا بالفرار تاركين خلفهما سمر غارقة في دمائها وأنفاسها تتثاقل شيئا فشيئا. تنبهت الأم إلى تأخر ابنتها، فأسرعت تبحث عنها بين المقابر.
وهناك تلقت الصفعة الكبرى في حياتها، ابنتها وسندها في الحياة غارقة في دمائها، وجسدها ينتفض في حركة عصبية عنيفة، انطلقت صرخة الأم تشق سكون المقابر، وعلى الفور تجمع الأهالي ونقلوا سمر إلى المستشفى، لكن روحها التي ذاقت القهر أبت أن تسكن هذه الحياة الشريرة ففاضت روحها إلى بارئها.
وحوش آدمية
في منزل ريفي بسيط كانت سمر تعيش مع والديها و7 أشقاء، منزل متواضع من طابق واحد بسقف خشبي تتسلل منه أشعة الشمس®. تركت دراستها الابتدائية لمساعدة والدتها في بيع الخضار، من أجل الإنفاق على أسرتها ووالدها المريض®.
من بين دموعها الملتاعة قالت الأم سهير إبراهيم 38 عاما: منهما لله، ضيعا ابنتي، ولابد من القصاص منهما، يجب إعدامهما رمياً بالرصاص في ميدان عام، حتى يكونا عبرة لغيرهما، كانت تساعدني على نفقات الحياة، تركت دراستها لضيق ذات اليد، وفي اليوم المشؤوم استيقظنا مبكراً، وخرجنا في الفجر، حملت عني الخضروات إلى السوق، ثم حدث ما حدث.
بينما حاول الأب السيطرة على صوته المتهدج بالدموع قائلا: حسبي الله ونعم الوكيل، لا أصدق وجود بشر بهذه الوحشية تطاوعهم أنفسهم في اغتصاب طفلة، إنني لن أتذوق مراراً أكثر من فقدان طفلتي بعد اغتصابها على يد هذين الوحشين، اللذين يجب إعدامهما، عسى أن يكونا عبرة لغيرهما®.
وبالفعل تمكنت الشرطة من القبض على الجانيين بعد تخفيهما، لم يدر أحدهما أن نزوة لا تستغرق دقائق معدودة ستقودهما إلى الموت والعار وسوء المصير®. اعترفا وكأنهما يستيقظان من كابوس مرير ليسقطا في واقع مظلم بأنهما تعاطيا المخدرات، التي كست عقليهما بسحابة كثيفة، فاستدرجا الفتاة عندما دخلت للمقابر وكتما أنفاسها وهدداها بسلاح يدوي، ومن ثم اغتصباها بالقوة، ولم يتركاها إلا وهي تصارع الموت.
كابوس
ضيعنا أنفسنا، وضيعنا الفتاة، كما ضيعنا أسرنا®. هكذا واجه الشابان مصيرهما بعد أن قضت المحكمة بإحالتهما إلى فضيلة المفتي لتأييد الحكم بإعدامهما، كانا كمن استيقظا فجأة من كابوس بشع، لم يتحسبا له ولا لعواقبه في لحظات النشوة الشيطانية، ففضلا على حياتهما ومستقبلهما اللذين ضاعا، وعلى الفتاة التي تسببا في موتها ونكبة أسرتها التي كانت تعتمد عليها في الرزق، فقد تسببا أيضا في ضياع أسرتيهما ووصمهما بالعار®.
لم يجدا في الفتاة الصغيرة التي دافعت عن شرفها باستماتة، فلم يتمكنا منها إلا وهي غائبة عن الوعي، أي رادع يوقظ فيهما ضميرهما، ولذلك انتهى بهما المطاف إلى حبل المشنقة.
القاهرة - دار الإعلام العربية
