تحولت دراما رمضان هذا العام إلى ساحة قضائية لحل مشاكل الميراث وتوزيعه واستعراض الأزمات الناتجة عن أطماع البعض والغفلة عن الحقوق الشرعية التي أوجبها المولى، عز وجل، حيث تفنن المؤلفون وكتاب السيناريو في استعراض القصص والحكايات التي تدور حول مشكلة الميراث، وكأنها باتت القضية الأهم في مجتمعاتنا العربية®.

ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة: ما غرض صناع الدراما في هذا الوقت بالذات من إنتاج هذا الكم الهائل من المسلسلات التي تناقش تلك القضية التي حسمها الشرع مسبقا؟وسط هذا الكم الكبير من الأعمال الدرامية التي تضمها شاشة رمضان، توجد 01مسلسلات جميعها يتطرق لقضية الميراث، فالفنانة مي عز الدين تحاول على مدار 03 حلقة في مسلسلها قضية صفية الوصول إلى حقها الشرعي من الإرث بعد أن قام طارق لطفي بتزوير أوراق تؤكد أنه شقيقها ليستحوذ على نصيب الأسد ويقاسمها في تركتها، وعلى أثر ذلك تتعرض صفية لأكثر من محاولة قتل للاستيلاء على ميراثها، قبل أن تقف بجانبها عدالة السماء لتنكشف الألاعيب المحاكة ضدها وتحصل على ميراثها كاملا.

لكن الأمر كان أكثر قسوة في مسلسل بره الدنيا الذي يلعب بطولته شريف منير وأحمد زاهر ونسرين إمام، حيث تسبب الميراث في نشوب أزمة شديدة بين الأشقاء عندما يرفض أحدهم بيع أرض ورثها عن والده حتى يحصل كل فرد على نصيبه، وهنا استطاع المؤلف والسيناريست أحمد عبدالفتاح أن يستعرض إحدى المسائل الشائكة التي يعاني منها المجتمع المصري بالذات، حينما يصل أحد أبناء الأسرة الواحدة إلى درجة علمية كبيرة فلا يفكر في وضع أشقائه غير المتعلمين الذين يمتهنون الزراعة.

حيث يقرر بيع الأرض التي هي مورد الرزق الوحيد لأسرة بأكملها، فتسيل الدماء وتتقطع الأرحام وتظهر الجريمة بكل أشكالها وصورها، وهذا ما استطاع صناع العمل تجسيده من خلال المسلسل الاجتماعي الدرامي الرومانسي.

المال الحرام

وفي مسلسل قصة حب الذي يندرج أيضاً تحت نوعية قضايا الميراث، تحاول الفنانة انتصار التي تلعب بطولته إقناع زوجها ببيع نصيبه في الميراث لمروره بضائقة مالية فتنشب العديد من المشاكل والخلافات مع شقيقه الآخر.

أيضا في مسلسل منتهى العشق يعود الفنان مصطفى قمر من تركيا ليطالب بميراثه في تركة أبيه بعد أن تزوج من والدته دون أن تعرف زوجته الأولى، ويقع في عدد كبير من المشاكل بسبب رفض العائلة منحه حقه حتى يثبت نسبه أولاً.

كما يطالب أحمد عيد، الشاب الفقير الذي لا يملك من حطام الدنيا شيئا في أزمة سكر ، بميراث عمه بعد أن طحنه الدين، فقد اكتشف أن له عما يعيش في أمريكا وفوجئ بوفاته ولم ينجب سوى أربع بنات فقط، وكانت سعادته لا توصف بوفاة عمه ليصبح مليونيراً بعد أن أذله الفقر، لكن الصراع يشتد مع بنات عمه ليترك لهم الجمل بما حمل، ويعود لقريته في النهاية.

بينما يحاول حسين الإمام منذ بداية عرض مسلسل امرأة في ورطة الاستيلاء على ميراث شقيقه المتوفى بكل الطرق، ويقع في صراع طويل مع زوجته إلهام شاهين مستخدما حيل النصب والاحتيال ويجهض كل محاولاتها لإثبات أنه غير مستحق للميراث لوجود ابنه كريم عبدالعزيز.

في السياق ذاته، استطاع محمد محمود أبوزيد، مؤلف مسلسل العار أن يجعل جميع أفراد الأسرة في صراع حول ميراث والدهم من تجارة المخدرات، وبالرغم من توقع الجميع أن يرفضه معظم الأبناء الذين يشغلون مناصب حساسة فإنهم دخلوا في صراع مرير من أجل فوز كل منهم بنصيبه من تلك التجارة الحرام، ويعد هذا العمل من أكثر المسلسلات التي تشهد صراعا على الميراث بين جملة المسلسلات التي تناقش القضية نفسها.

قضية تشتعل

وتعليقا على ذلك، تؤكد الناقدة السينمائية خيرية البشلاوي أن الدراما الحقيقية تجسيد لواقع المجتمع، وقد اقتحمت الدراما قضايا الأسرة منذ عدة سنوات، لكن الملحوظ أنها لم تنخرط في قضايا الميراث مثل كل القضايا والمشاكل التي اقتحمتها، باستثناء مسلسل واحد هو الذي تناول فكرة الميراث بإيجابية هو ثورة الحريم عام 3002، لكنه تناولها من ناحية حرمان المرأة بالذات من الميراث®.

ولفتت إلى أن تهافت كتاب السيناريو على هذه النوعية من الأعمال جاء بعد تأكدهم من أن الميراث إحدى القضايا المهمة التي تشتعل داخل البيوت الهادئة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر العربية.

أضافت البشلاوى أنه لا يخلو بيت في مجتمعاتنا العربية من مشاكل الميراث، وقد حاول صناع الدراما إظهار تلك المشاكل للفت نظر المجتمع إلى خطورة هذه القضية التي تتجلى في الطمع والاستيلاء على حقوق المستحقين.

وبالرغم من أن موضوع الميراث من المسلمات في الأديان السماوية فإننا نجد الابن يقتل أباه والأخ يقتل شقيقه أو شقيقته بسبب الطمع الذي أعمى النفوس، لذلك أعتقد أن فرد هذه القضايا وإعطاءها المساحات الحقيقية إضافة جديدة للدراما، حتى لو حدثت كثرة في أعدادها.

عامل جذب

بينما قال محمد محمود أبوزيد، مؤلف مسلسل العار ، إنه رغم مناقشة قضايا الإرث في الكثير من الأعمال الدرامية والسينمائية، فإن العار يختلف تماماً عن جملة الأعمال التي ناقشت القضية نفسها، حيث يعد المسلسل الوحيد الذي يناقش الميراث الحرام، وكان ذلك عامل جذب قويا للمشاهد لاعتباره نوعا مختلفا من الصراع على الإرث.

بينما تندهش الدكتورة عزة كريم، الخبيرة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، من الزخم الهائل في عرض القضايا المتعلقة بالميراث في مسلسلات 0102، مؤكدة أن مشاكل الميراث لن تحلها الدراما أو المسلسلات بل يتم حلها عن طريق القوانين الجديدة التي تجعل التلاعب بالمواريث إحدى الجنايات التي يعاقب عليها المشرع، خاصة عند حرمان الأهل بناتهن من حقوقهن في الميراث لأنه بمثابة وأد جديد لهن®.

وأشارت إلى أن قضايا الميراث بحاجة إلى استراتيجية اجتماعية وثقافية لتغيير المفاهيم والتعريف بأن هذه الأمور حقوق أقرها الشرع والدين والقانون، والضمير هو القاضي الأول للحكم في مثل تلك الأمور.

أخطاء فادحة

لكن الدكتور عبدالمعطي بيومي، أستاذ الشريعة الإسلامية، يرى أنه من الأفضل الابتعاد عن طرق تقسيم الميراث في المسلسلات لوجود بعض الأخطاء الفادحة عن طريق تقسيم المواريث، حيث فوجئ بأحد الأشخاص يسأله عن مسألة شاهدها في مسلسل أولاد عزام الذي بُني على حرمان الأبناء الذين يتزوجون قبل الأربعين من الميراث®.

وكذلك في فيلم صراع الأحفاد ، حيث كانت إحدى الوصايا التي تركها الجد تتحكم في مصائر الأحفاد، حتى وصل الجميع إلى نهايات مأساوية فيعتقد الجمهور أن هذا مباح، وأنه من الأمور الصحيحة، لذلك يفضل عدم الخوض في تلك المسائل وإنما عرضها من بعيد فقط.

القاهرة - دار الإعلام العربية