لم تكن السيدة »سعاد« تعرف أن زوجها يعيش لحظاته الأخيرة، فمنذ ساعات دخل المستشفى سليمًا ليُجري جراحة في العمود الفقري مثل عشرات المرضى الذين يخرجون بعد العملية بأيام ليمارسوا حياتهم الطبيعية®.
فجأة خرج من الجراحة ليغرق في آلامه، ثم غيبوبة، ثم النهاية®. تروي حكايتها قائلة: ما زلت غير مصدقة لما حدث، ما زلت أتذكر حديثي معه قبل ذهابه للمستشفى نخطط لمستقبل أبنائنا، كان يحلم لهم بمستقبل أفضل، كان يسهر في تطوير برامج الكمبيوتر في الشركة التي يعمل بها، وأصبح في انتظاره المزيد من التفوق في رحلة عمله.
لكن كل ذلك تبخَّر كما تتبخر الأوهام، في لحظات دمَّر الطبيب حياتنا، غاب الضمير عن الجميع فمات زوجي، على الرغم من أنه كان أمانة بين يدي الأطباء®. أهكذا أصبح الإنسان بلا ثمن؟!®. غلطة حرمتنا من رب البيت.
تصمت برهة لتستعيد ذكريات اليوم الأخير له في المنزل قبل ذهابه إلى المستشفى: كان الاستعداد على قدم وساق لإجراء العملية لزوجي مهندس الكمبيوتر »مجدي«، 83 عامًا، جهَّزت له ما قد يحتاجه من ملابس بعد أن أكد الطبيب أن حالة زوجي لا تحتمل الانتظار أو التفكير.
وبالتالي حسم زوجي أمره وقرر إجراء الجراحة في اليوم التالي في مستشفى شهير، كنت أُخفي مخاوفي ودموعي، كانت الرعشة تنتابني بمجرد التفكير في لحظة دخوله حجرة العمليات، كيف لا وحبه متغلغل في كياني، ورفيق الكفاح لرحلة زواج عمرها 21 عامًا، تُوِّجت بإنجاب أبنائنا الأربعة®.
»ياسمين« 11 سنة، »أحمد« 9 سنوات، »ميار« 4 سنوات، وأخيرًا »ميادة«، التي لم تبلغ الشهر والنصف من عمرها، وعلى الرغم من مخاوفي قررت أن أتظاهر بالتماسك لأشد من أزر زوجي، نجحت أن أجعله يتجاوز القلق الذي كان يهاجمه من الجراحة، أكدت له أن العملية بسيطة وبعدها بأيام قليلة سيعود إلى منزلنا، لم أكن مقتنعة تمامًا بما أقول، قلبي كان يُحدثني بخطر داهم يهدد زوجي، وكان صادقًا في إحساسه®.
كانت الدقائق تمر ثقيلة، مملة علي وأنا أنتظر انتهاء الجراحة، لكن بركانًا ثائرًا كان يستعد للانفجار بداخلي، حبي الشديد لزوجي الحنون جعلني أشعر بالرعب من مجرد التفكير في إصابته بسوء، في التاسعة تمامًا خرج الدكتور من غرفة الجراحة ومن ورائه الطاقم المساعد، كانت الابتسامة تكسو وجوههم جميعًا، أكد الدكتور أن الجراحة نجحت والزوج بحالة جيدة، بدأ الارتياح يعود إلى وجهي، لكن شيئًا ما بداخلي قاوم هذا الارتياح، خرج زوجي على »ترولي« الجراحة، علامات الشحوب والألم تكسو وجهه، لم أشعر بالارتياح مطلقًا لنتيجة العملية، اقتربت منه وأنا أهمس قائلة: »حمدًا لله على سلامتك يا مجدي®. عامل إيه؟«®.
فأجابني بحروف واهنة: »تعبان«، قالها وراح في غيبوبة عميقة، جريت نحو طاقم الأطباء أطلب منهم سرعة الكشف على زوجي، لكنهم أخبروني أن إغماءته بسبب البنج، لكنني كنت أتوجس خيفة لم أدر أن ما دار بيني وزوجي هو آخر حوار بيننا في الدنيا، بعده سكت لسانه.
ولم يعد ينطق بشيء سوى الآهات، ومن ثم أُصيب بنزيف حاد أُدخل على أثره غرفة العمليات مرة أخرى، وفيها تفجرت المفاجآت، فتح الأطباء بطن زوجي وفوجئوا بكميات هائلة من الدماء التي نزفها وملأت بطنه، وفَقَدَ البلازما، وباتت ساعاته في الحياة معدودة، ومع إشراقة الفجر لفظ أنفاسه الأخيرة، أظلمت الدنيا في وجهي للأبد، أُسدل الستار على حلمنا الجميل، وبقيت الأحزان والآلام.
لكن لا®. لن أصمت أو أسكت عن حقي وحق أبنائي الذين جعلهم خطأ طبيب - لا همَّ له سوى التربُّح بآلام المرضى - أيتامًا في عمر الزهور، أيقنت أن سكوتي عن الحق هو مساعدة لمثل هذا الطبيب على الإهمال وهدم استقرار العديد من الأسر كما حدث مع أسرتي؛ لذا قررت أن أواجه أحزاني وأتقدم ببلاغ ضد الطبيب وضد المستشفى الذي يُفترض أنه من المستشفيات الشهيرة التي تُقدم خدمات طبية على أعلى مستوى.
فإذا كان هكذا الحال في مستشفى استثماري، فكيف تكون الأوضاع في المستشفيات الحكومية التي ترزح تحت الإهمال وفقر الإمكانات، لقد خرجت من كارثتي بضرورة ألا أسكت عن حقي وحق الآخرين، لن أكون سلبية أبدًا، فهذا حقي وحق أبنائي ومجتمعي، أعلم أنني أسير في نفق طويل ومرهق، لكن دائمًا يوجد في آخر النفق بصيص من الضوء يحمل الأمل والسلوى.
القاهرة - دار الإعلام العربية
