تراثنا كنزنا. الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت الوان اوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة.
وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الإمارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الإطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات »التويتر« و»الفيس بوك« وال»يوتيوب«. »الحواس الخمس« اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الامارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليه ونقله من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء، وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل.
ابتكر الإنسان القديم طريقة مثلى لحفظ اللحوم التي تفيض عن حاجته وحجم استهلاكه، بعد أن أدرك المشاق التي يتعرض لها في رحلات صيد الحيوانات أو الأسماك، وان صيده الثمين سرعان ما يفسد ويتلف، فلا يعود ذا قيمة، من هنا جاءت قيمة الملح وأهميته التي غدت أسطورية بعض الأحيان، وكانت أحيانا دافعا لفرض ضريبة تدعى ضريبة الملح الذي عد سلعة توازي المعادن النفيسة النادرة.
من هذا المنطلق قرر »الحواس الخمس« استعادة طقس من طقوس حياتنا التي تتصل بالملح، حيث يرى البعض ان المثل القائل »الحاجة أم الاختراع« ينطبق تماما على لجوء الإماراتيين إلى ابتكار »وجبة المالح«.
منذ قديم الزمان، كان الصيادون يأتون بكميات وفيرة تزيد على حاجتهم من الأسماك، ولأن الكهرباء لم تكن متوفرة لديهم كي يتم تخزين الفائض مثلجا، وأيضا لأن البحر متقلب في الأيام العاصفة فلا يستطيع الصيادون الخروج للصيد لأيام عديدة، والمواطن الإماراتي لا يطيق صبرا عن السمك، فقد ابتكروا »المالح«، مستفيدين من وسيلة التمليح التي ابتكرها الإنسان القديم لحفظ لحوم الحيوانات والأسماك، فكان التمليح من الأشياء التي وفرت للإنسان حاجته من السمك في الأيام العاصفة فيحتفظ بصلاحيته دونما تبريد، ولا يفسد تحت أشد درجات الحرارة.
»الحواس الخمس« التقى الوالد درويش أحمد، وهو أشهر الرجال في تجارة المالح في مدينة دبا الحصن، وعرفنا إلى أسرار تخزين المالح والطرق المتبعة لها قائلا: أصبحت (دبا) منذ القدم مركزا لتسويق أجود أنواع المالح، حيث زاد الطلب عليه، خصوصا من قبل المواطنين، فهم يأتون من كل مناطق الدولة لشراء تلك الأكلة الشعبية المعروفة إضافة إلى الاستمتاع بهوائها ونخيلها في فصل الصيف.
وقديما لم يكن المالح يباع وإنما يهدى، وفيما بعد أصبح يباع كل 25 قطعة بخمسة دراهم، ولكن عندما أصبح الناس في رفاهية، ولم يعد المالح يصنع للحاجة، بعد توفر السمك بشكل يومي مع وجود أجهزة التبريد، ارتفع سعره، وأصبح يباع كل عشر قطع بمائة درهم، وفي المدن تباع كل 8 قطع بمائة درهم، وكان المالح ولا يزال يصنع من أسماك الكنعد والصدى والقباب، كما يصنع من كبار أسماك الشعري ولكن أجود أنواع المالح، الكنعد.
تحدث درويش عن طرق تخزين وصناعة المالح قائلا: في الماضي البعيد كان الرجال يصنعون المالح ليخزن في أوان فخارية تسمى (خروس)، والواحد منها يسمى (خرس)، وهذه الطريقة يستخدمها الظهوريون، وهم من رؤوس الجبال، وأيضا هناك (الأبياب-جمع بيب) وهي الصفائح المعدنية التي تصنع للتخزين، والآن يباع المالح في الأواني البلاستيكية. وتعتمد طريقة صنع المالح على تنظيف كل سمكة بإزالة الرأس ونزع الأحشاء ثم شقها من النصف حتى تصبح قطعة واحدة مفرودة، وهنا يبدأ وضع كميات كبيرة من الملح (اليرش) أي الخشن، وكلما أنهى تمليح قطعة وضعها في الوعاء.
وقد بدأ البعض بإضفاء بعض النكهات البهارات والفلفل والزعتر والبعض يضع أوراق الليمون والبرتقال أثناء التمليح؛ لكن اليوم يضع البعض نصف وزن السمك من الملح في قاع الوعاء، ثم يملحون السمك ويصفونه فوق الملح، ويحفظ لمدة 6 شهور وحتى تسعة أو عشرة شهور، حيث يعتمد الوقت على الموسم، صيفا كان أو شتاءً، وعلى المكان الذي توضع فيه.
أجود أنواع المالح
يعتبر سمك (الكنعد) من أجود سمك المالح، وهو بالإضافة للحمه الشهي يقاوم حرارة الشمس، ولا يهتري بسهولة ويظل داخل العلبة أكثر من عشرة شهور من دون أن يفسد أو تقل قيمته الغذائية، ويبقى محافظا على تماسكه وخصائصه، وهو الأغلى نظرا إلى جودته وقلة توفره بالأسواق.
ويأتي سمك (القباب) في المرتبة الثانية من حيث السعر، والإقبال عليه نظرا إلى قرب خصائصه من الكنعد ويبلغ سعر الحبة منه ما بين 6 إلى 7 دراهم وتتسع العلبة لعشر سمكات من الحجم المتوسط وهو يتمتع بجودة عالية ومذاق طيب.
أما (الصدى) فيحتل المرتبة الثالثة في قائمة المالح وهو لذيذ الطعم إلا انه ضعيف المقاومة، ولا يتحمل البقاء أكثر من ثلاثة شهور داخل العلبة، وإذا استمر فتظهر عليه علامات الاهتراء، والتفتت ويفقد نكهته.
طريقة طهي المالح
من طرق طهي المالح (المالح المطبوخ)، إذ يسلق المالح بعد غسله جيدا بالماء، ثم يتم التخلص من الماء، وتنزع عن قطعة المالح الجلد والعظام حتى يصبح في الوعاء شرائح من المالح خالية من أي شوائب، وهنا توضع في طبق التقديم ويعصر عليها الليمون الأخضر الصغير، وتقدم إلى جانب طبق من الأرز المسلوق، وقد يضاف السمن المحلي »كان يسمى: سمن بدو«، ويفضل الناس تناول قطع من البصل الأبيض أو الأخضر مع المالح، وبمرور الوقت أصبح الناس يضيفون شرائح البصل إلى طبق المالح.
دبا الحصن - مريم إسحاق

