المرض بالنسبة لها منحة إلهية، وليس كما يراه المحيطون بها محنة كئيبة، كانت طوال حياتها شعلة نشاط، دائما مبتهجة، متفائلة، تستطيع أن تصفها بأنها من أشد المتشبثين بالحياة، ومن الذين بينهم عداء دائم مع الهموم والكآبة، لكن الابتلاء لا يترك أحدا خصوصا المبتهجين، فكان الامتحان قاسيا، الامتحان الذي سبقته إليها والدتها حينما داهمها سرطان الثدي وقضى عليها في فترة وجيزة، ولم تمض سنوات قليلة حتى أصابها هي وكاد الأمر يتكرر بتفاصيله نفسها، لولا أنها تشبثت بعزيمتها وإرادتها وإيمانها®.
ف»هويدا حافظ«، الصحافية المصرية، التي أُصيبت بسرطان الثدي، وشُفيت منه بإذن الله، تشبثت في رحلتها مع المرض بحبال الصبر والإيمان حتى غمرتها رحمة الله بعدما شربت من ماء زمزم، وكان من ثمار المرض أن وثَّقت تجربتها في عدة كتب لتفتح خلالها نوافذ الضوء لمريضات أخريات، ورغم أنها الآن في العقد الرابع من عمرها، وأم لولد وبنت، فإنك تشعر حينما تتحدث معها أنك أمام طفلة صغيرة مُقبلة على الحياة مملوءة بالتفاؤل والحب والرغبة في مساعدة الآخرين.
بابتسامة لا تكاد تفارق وجهها تسترجع هويدا ذكرياتها مع سرطان الثدي: »كانت الصدمة الأولى قبل عشرين عاما حينما مرضت أمي بسرطان الثدي، فعشت معها تجربة الألم لحظة بلحظة حتى لقيت ربها، وقتها تعاهدت مع شقيقتي على أننا في حالة أُصبنا بهذا المرض لن نخضع للعلاج أبدا، ومنذ أكثر من عشرة أعوام شعرت بألم في الثدي، لكن لم يخطر ببالي أنه قد يكون السرطان، فتجاهلت الأمر.
وبعد فترة شعرت بالألم نفسه، فتحدثت مع شقيقي هاني وهالة اللذين نصحاني بسرعة إجراء فحوصات طبية، وكانت الصدمة عندما قرر الطبيب إجراء جراحة فورا، فأدركت أنه السرطان«.
وتصف هويدا مشاعرها بعدما اكتشفت أنها أُصيبت بالمرض نفسه الذي عانت منه أمها، وكان سببا في موتها: »كانت صدمة عنيفة، شعرت حينها باستسلام وضعف، وأثناء عودتي للمنزل لأستعد لإجراء الجراحة في اليوم التالي كنت أستمع للقرآن الكريم، وصادفتني الآية الكريمة:
»وبشِّر الصَّابِرين الذين إذا أَصَابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنَا إليه رَاجعون«، استمعت إليها جيدا، ونظرت إلى الشارع والناس، وكأنني في طريقي إلى المجهول، كأن كل الكائنات تقف لوداعي، كان إحساسا مؤلما لن أنساه أبدا، تحدثت مع ابني »إسلام«، وكان وقتها في الصف الثاني الإعدادي، أوصيته بأخته الصغيرة »دينا«، وظللت أُحدثه كثيرا عن المستقبل، وكيف يعتمد على نفسه، وأن يكون عونا لأخته، لكنني لم أخبره الحقيقة، كل ما ذكرته أنني سوف أخضع غدا لجراحة بسيطة فقط«.
على عكس الحالة السيئة التي كانت عليها حينما علمت بإصابتها بالمرض، تقول هويدا إنها كانت متفائلة جدا قبل دخول غرفة العمليات، وشعرت بسكينة وطمأنينة، وبالفعل تمت الجراحة واستئصال جزء صغير من الثدي لتبدأ جلسات العلاج الكيماوي، وكما هو معروف فإن للعلاج الكيماوي العديد من الآثار السلبية التي جعلت الناس تنظر إلى مَن يتلقاه بأنه على أعتاب الموت، وتقول:
»من أول جلسة سقط شعري بالكامل، فشعرت بيأس وبأن الزمن يتوقف عندي، تحطَّمت كل أحلامي وطموحاتي، لكن سرعان ما قاومت هذا الشعور، لكن بعد فترة من جلسات الكيماوي اكتشفت عودة السرطان مرة أخرى، وبدرجة أعلى وأخطر، وجاء قرار الأطباء باستئصال الثدي بأكمله«.
كان انتشار المرض بهذه السرعة مثار قلق كبير لهويدا، لكنها تشبثت برحمة الله، وكان صبرها هو الزاد في التعامل مع المرض، وتحكي: »تمت الجراحة وبعدها اقترح الطبيب إجراء جراحة تجميل من خلال استئصال جزء من عضلة البطن، وزرعها مكان الثدي، لكنني رفضت، وقلت: »لقد أرضعت ولديّ عامين كما أمرني ربي؛ لذلك أنا راضية بقضاء الله، وكنت أشعر بوجوده بجانبي، متمنية من أعماق قلبي أن الجزء الذي استأصلته قد سبقني إلى الجنة«.
ولم تشعر بالنقص كأنثى لأنها فقدت ثديها، فقد كانت على يقين بأن نظرة المرأة لنفسها هي التي تجعلها تشعر بالنقص من عدمه، ونصيحتها للمريضات الأخريات كما جاءت على لسانها: »إذا مرَّت أي امرأة بهذه التجربة وتركها زوجها أو خطيبها فعليها أن تعلم جيدا أنه كان سيتركها عند أول أزمة تمر بها، ويجب أن تحمد الله على فراق مَن لا يستحق أن يحسب على حياتها، فالسعادة الحقيقية في القرب من الله سبحانه وتعالى، وأن يشعر الإنسان بقيمة الحياة والوقت«.
وتُكمل هويدا رحلتها مع المرض بقولها: »بعد إجراء الجراحة وأثناء العلاج جاءت إحدى صديقاتي لزيارتي قبل ذهابها للحج، فتمنيت في قرارة نفسي أن أحج إلى بيت الله، وبالفعل سعيت في إجراءاته، ففوجئت بعد ثلاثة أسابيع فقط من الجراحة بتأشيرة الحج، فقررت بدون تردد إلغاء جلسات العلاج الكيماوي، والسفر لأداء فريضة الحج، وكنت على يقين بأنني عندما أزور بيت الله وأشرب من ماء زمزم سأُشفى تماما، متذكرة حديث رسول الله :
»ماء زمزم لما شرب له«، فسافرت وأديت الفريضة، وشربت من ماء زمزم حتى ارتويت، وبعد عودتي ذهبت إلى المستشفى لاستكمال جلسات الإشعاع، وعمل الفحوصات اللازمة، وفوجئنا جميعا بنتيجة الفحوصات التي أكدت اختفاء السرطان من جسدي تماما«!.
وعن هذه المفاجأة تقول: »بالطبع زاد إيماني بالله تعالى وبأن رحمته بعباده واسعة ولا حدود لها، وأنه في أحلك اللحظات يأتي نور الله ليضيء الدنيا من حولنا«.
من ثمار التجربة - كما تحكي هويدا - انخراطها في الكتابة والإبداع، لاسيما وهي صحافية وتُجيد الإنجليزية والفرنسية بجانب العربية؛ حيث كتبت عدة كتب في عام واحد منها كتاب باسم »لوِّن حياتك« تحدثت فيه عن آمال مريض السرطان وطموحه الذي لا يتعدَّى الفراش، مقدمة نصيحة عملية مفادها بأن يلون كل مريض حياته بالأمل والتفاؤل ولا يستسلم لليأس.
في محاولة أخرى لبث الأمل في الآخرين، رصدت هويدا حافظ تجربتها مع المرض، وكيف تغلَّبت عليه في كتاب تحت عنوان »الرحلة ,118. رحلتي مع السرطان«، وعن السر في اختيارها لهذا الرقم تقول:
»منذ بداية مرضي وذهابي لجلسات الكيماوي والإشعاع كان كل مرة يتصادف بأن أُقيم بالغرفة نفسها، وهي 118، حتى وصل بي الحال إلى أن مللت هذه الغرفة، وحاولت تغييرها، وفي العام الماضي نظمت مؤسسة »سوزان كومن« لمكافحة سرطان الثدي بأميركا سباق جري للسيدات اللاتي أصبن بهذا المرض، وكنت إحدى المرشحات لتمثيل مصر، وأثناء استقلالي الطائرة اكتشفت أن رقم الرحلة إلى أميركا هو 118، وهنا أدركت مدى المفارقة التي مثَّلها ذلك الرقم في حياتي«.
الآن تعيش هويدا في كنف أسرتها، ابنها »إسلام« الذي يدرس الآن بالجامعة الكندية بالقاهرة، وابنتها »دينا« التي تدرس بالمرحلة الإعدادية، وهما يؤكدان أنهما يستمدان القوة على مواجهة الحياة من خلال والدتهما وقدرتها على الصبر والصمود والتفاؤل.
القاهرة - دار الإعلام العربية
