قدم الكاتب بشير الديك للسينما مجموعة من الأعمال التي تعتبر علامات بارزة تركت تأثيرها في وجدان الجمهور، منها: سواق الأتوبيس، ناجى العلى، ضد الحكومة ، الإرهاب، مهمة في تل أبيب، زيارة السيد الرئيس وغيرها من الأعمال الجادة التي طرحت جوانب مهمة من الحياة اليومية للأسرة المصرية.

والباحث في مسيرة السينما المصرية لا يمكن أن يذكر العلامات المضيئة بها دون أن يذكر السيناريست بشير الديك، الذي يقول عنه النقاد بأنه »مكتشف الضعف الإنساني في السينما«. لا يتخيل البعض أن منزل بشير الديك بمسقط رأسه في دمياط، شمال مصر كانت المكان الأول لخياله والذي يستمد منه أفكاره، بينما منزله الآخر في مدينة أكتوبر الهادئة هي المكان الأول الذي يخرج منه كل إبداعاته، وكان الرجل قد فكر كثيرا أن ينقل نفسه إلى إحدى الفنادق أو أن يجد لنفسه مكانا آخر للكتابة فيه ولكن من شب على شيء شاب عليه.

بدأ الديك الكتابة للسينما عام أواخر السبعينات وكان شابا متحمسا مليئا بالأمل في الفن وفى قدرته على أن يصل بالصورة التي يراها في خياله للورق مع المخرجين والممثلين، فقدم لنا عشرات الأفلام كان أهمها مع المخرج الراحل عاطف الطيب، وخلال لقاء (الحواس الخمس) معه يتحدث بشير الديك عن قضايا سينمائية مختلفة، ويتطرق في الوقت ذاته إلى لقطات أفلام لن ينساها بعدما حفرت بصمات راسخة على صعيد حياته. عقول الجماهير (السينما هدفها الأول هو الترفيه ولكن هذا الترفيه لابد أن يكون مصحوبا بمغزى معين فالسينما كأي وسيلة إعلامية أهدافها الإعلام والتعليم والتسلية والترفيه ).

يعود بشير الديك بذاكرته إلى فترة السبعينات، حيث سيطرة سينما المقاولات ويقول أنه خلال هذه الفترة لم يكن الترفيه له قيمة لأنه لم يكن مصحوبا بوسائل إعلامية هادفة على غرار بعض الأفلام التي عرضت حديثا، مثل فيلم »بنيتن من مصر« بطوله زينة وصبا مبارك وإخراج وتأليف محمد أمين ويحكى عن الكبت الجنسي لدى البنات، وكذلك فيلم »عسل اسود« لأحمد حلمي والذي تدور أحداثه حول صدمة شاب عند قدومه من أمريكا إلى مصر.

يشير الديك إلى أن الفيلمين كوميديان ولكنهما ذات هدف واضح، كما تجمعهما سمة واحدة وهى عدم استخفاف فريق العمل بعقول الناس، بمعنى أننا لو تطرقنا لفيلم مثل»8 جيجا« الذي قدمه محمد سعد هذا العام أو حتى فيلم »اللمبى« الذي قدمه نفس البطل منذ 9 سنوات، فهذا الفيلم مخرجه ومؤلفه استخفوا بعقول الجماهير وكانوا لابد أن يعلموا أن تشكيل وجدان الشعب والمجتمع يأتي من الأفلام السينمائية ذات المغزى.

والأهم من ذلك أن تحتوى هذه الأفلام على عنصرين »الجنس والمال« لأن المرء مهما زادت ثروته أوعلا مركزه تلح عليه رغبته وتدفعه احتياجاته لمشاهده أعمال تسد احتياجاته وهنا تتوافر كل أهداف السينما.

الوسائل التكنولوجية

(التكنولوجيا لها تأثير سلبي على المنتجين ولكن تأثيرها إيجابي بكل المقاييس على المخرجين وفريق العمل وبرغم ذلك لا وسيلة أمام الجميع إلا بالتعامل مع هذه الوسائل).

يرى الديك أن وسائل التكنولوجيا من فضائيات وانترنت وغيرهما كل له آثاره السلبية والايجابية، ويقول: أنا أول مؤلف وافق على طرح فيلمه »الكبار« من بطولة عمرو سعد على الانترنت في نفس توقيت عرضه في السينما لأنني لن أكون سعيدا إذا عرض الفيلم بصورة سيئة قد تضر بمستوى فهم الجمهور للرسالة .

وساعدني في ذلك شركة الإنتاج، أيضا الفضائيات أثرت بشكل كبير لأنه بتزايد عدد الفضائيات أصبحت الأفلام تعرض يوميا وأصبح هناك تشبع إعلامي من الأفلام أيضا، إذن فلنعترف أن التكنولوجيا قللت رواد السينما بل قننتهم وجعلت سحر السينما منطفئ لأن رواد السينما الآن أصبحوا إما المتخصصين مثلى الذين يذهبون للسينما ليروا الأفكار فيها أو الذين يتخذونها وسيلة للتسوق لكن من القليل الآن أن تجد شخصا ينزل من بيته لمشاهده فيلم في الوقت الذي يعرض فيه بنفس الكفاءة على الانترنت.

الكلاسيكيات الأجنبية

(الكلاسيكيات الأجنبية لها سحر خاص على بشير الديك فهو أكثر حرصا على متابعة هذه النوعية من الأفلام ويشعر أنها تعيده إلى زمن لم يعشه، يشعر فيها براحه الماضي).

يميل السيناريست بشير الديك للفيلم الأمريكي »الأب الروحي« وهو من إنتاج السبعينات للمخرج الكبير فرانسيس فورد كوبولا ومن بطولة الممثل مارلون براندو في دور دون فيتو كورليوني ويشاركه في البطولة العملاق أل باتشينو في دور الابن مايكل كورليوني، والممثل الذي لم تتح له الفرصة لإثبات نفسه بعد موته المفاجئ بسرطان العظام جون كازال في دور فريدريكو كورليوني أو فريدو، تلك الشخصية التي كانت مؤثره في الأحداث بصورة كبيرة.

ويرى أن هذا الفيلم أحدث ضجة في الشارع الأميركي لم يحدثها أي فيلم في فترة إنتاجه، إذ صارت كلماته من الكلمات المأثورة عند الأميركان حتى ملوك الإجرام صاروا يستخدمون عباراته .

وهذا هو تأثير الفن، التأثير المتميز سواء للسينما الأمريكية أو السينما العربية، فالشخصية الرئيسية في الفيلم تؤثر على الصعاليك في أمريكا فالفيلم يتحدث عن الدون فيتو كورليون زعيم أقوى عائلة للمافيا في نيويورك وعن الصراعات التي تشهدها العائلة من أجل الاستمرارية والبقاء. الديك يؤكد أنه يشاهد هذا الفيلم ـ الأب الروحي ـ يوميا والغريب أنه كلما يشاهده يشعر أنه يعطيه أفكارا جديدة ويفتح أمامه فكره، ويقول:

أتذكر أن شخصية البطل في فيلم »الحريف« الذي قدمته في بداية الثمانينات مع عادل إمام وأخرجه محمد خان استمدتها من نفس شخصية الدون فيتو في فيلم الأب الروحي، فقد تعمدت تقديم شخصيه المهزوم الذي يعيش في بيئة شعبية تمثل قطاعاً كبيراً من المسحوقين أمثاله.

فهناك شخصية جاره (نجاح الموجي) الذي يعاني من الفقر الشديد وعجزه عن إعالة زوجته وأولاده وتضطره هذه الظروف لارتكاب جريمة قتل، وشخصية سمسار العربيات والمباريات الوصولي (عبد الله فرغلي) الذي يستغل صديقه أيما استغلال، ضارباً عرض الحائط بالزمالة والقيم والأخلاق في سبيل الحصول على المال، وهناك أيضاً جارته التي تمارس الدعارة وتتمنى قضاء ليلة واحدة مع رئيس مجلس الإدارة، بينما يستسلم لإغراءاتها فارس.

وهو في حالة حزن ويأس شديدين، وهنا ظهر الجنس كوسيلة للخروج من قهر الزمن، كذلك هناك الوافد الجديد من القرية (حمدي الوزير) الريفي البسيط والطيب، الذي يحاول تكييف نفسه للتعامل مع هذه المدينة الكبيرة، إلا أنه يضيع في دوامتها الواسعة وينجرف مع التيار اليومي للمدينة، ويؤكد الديك أنه استمد هذه الفكرة من القهر الذي يمر أبطال فيلم الأب الروحي.

شكل ومضمون

(»أماديوس ، حدث ذات مرة، بداية »®. أفلام أتابعها دائما من كلاسيكيات السينما الأجنبية التي أثرت على حياة بشير الديك وأثرت أيضا على مستواه الفني).

وعن هذا التأثر يقول بشير الديك: لا أرى أماديوس من الكلاسيكيات بقدر ما أرى أنه تجسيد لواقع عالمي ففي هذا الفيلم شكل ومضمون متميزين أثرا بشكل كبير على المجتمعين الأمريكي والمصري عند عرض الفيلم®.

وفيلم أماديوس للمخرج ميلوشى فورمان تم ترشيحه للكثير من الجوائز العالمية وهو فيلم موسيقى من إنتاج الثمانينات والقصة مبنية على رواية الكاتب بيتر شافر والتي تحكي قصة حياة فولفغانغ أماديوس موتسارت وأنتونيو سياليري، ويدور حول هذين الموسيقيين اللذين عاشا في فيينا، النمسا خلال النصف الأخير من القرن الثامن عشر، مشيرا أن هذا الفيلم حقق انجازا تاريخيا وغير مسبوق للسينما لأنه تميز بالإخراج الأسطوري والأداء التمثيلي فهو فيلم درامي إنساني من الدرجة الأولى.

أما فيلم »حدث ذات مرةه« وهو فيلم أميركي من إخراج سيرجيو ليون وبطولة روبرت دي نيرو إضافة لجيمس وودز، يحكى عن نشأة الجريمة المنظمة في عالم نيويورك سيتي، ويعد هذا الفيلم والكلام لبشير الديك، علامة تاريخية أسطورية في الإخراج والتمثيل.

والفيلم الذي أدهشني هو »البداية« من بطوله ليوناردو دى كابريو، ومن أخراج كريستوفر نولان وهذا العمل كان بمثابة معجزة في إنتاجه وتمثيله وتاريخ إخراجه وفى فكرة مؤلفه وعقدة العمل في شخصيه ليوناردو الذي يتخيل زوجته في كل أعماله.

وتدور أحداث الفيلم حول شخصية« دوم كوب« الذي يجسد دوره ليوناردو دى كابريو وهو سارق محترف غير طبيعي بالمرة، ولديه موهبة خاصة جدًا في القدرة على الدخول إلى أحلام الناس والتسرب إلى عقول الآخرين لكشف طموحاتهم ونواياهم، واستنباط معلومات ذات أهمية بالغة لبعض الجماعات.

نقطة الانطلاق

(اعتقد أن الأزمة الرئيسية للسينما المصرية تكمن في عدم اختيار المؤلفين لنقطة قوية لانطلاق الأحداث، نقطة تفجر الصراع منذ اللحظة الأولى).

وفى رده على تساؤل عن أزمة السينما المصرية، قال بشير الديك إنه كان يستهل الفيلم بمشهد صادم لجريمة غامضة ويكون على المشاهد الإمساك بأطراف الصراع، وهذا ما فعله في فيلم »الكبار« الذي يعرض حاليا من إخراج محمد جمال العدل وبطوله خالد الصاوي وعمرو سعد، والذي بدأت فيه بعقده الفيلم فعلى المستوى الأول أقدم فيه معالجة تعتمد على المطاردات وتثري الحبكة بالعوائق والعلاقات المتشابكة والصدمات، ما يضاعف التشويق، وعلى المستوى الآخر تكون الجريمة وسيطاً درامياً للكشف عن الحقيقة الكاملة.

ومن الأفلام المعروضة لكتاب آخرين شاهدت فيلم »بنتين من مصر«، ويؤكد الديك أنه لا توجد أي مقارنة بين الأفلام العربية والأجنبية لان الإنتاج الضخم في أميركا أتاح فرصة للتنوع في الأفلام مابين الأكشن والعنف رغم أن بها مبالغة كبيرة ولا تعتمد على الواقع بشكل كبير والقضية هي أن الكاتب عندما يستمتع بكتابة فيلم معين فبالتأكيد سيستمتع الجمهور المتلقي أيضا.

القاهرة - دار الإعلام العربية